
كش بريس/خاص ـ
فتح الأكاديمي والمحامي الدكتور محمد حركات نقاشاً واسعاً حول أداء المنظومة التشريعية والقضائية بالمغرب، داعياً إلى اعتماد ما وصفه بـ«الافتحاص الاستراتيجي» لتقييم مدى نجاعة صناعة القانون، وجودة الرقابة الدستورية، وفعالية الولوج إلى العدالة، ومدى انسجام مختلف حلقات المنظومة مع مبادئ الحكامة والشفافية والمساءلة.
وقال حركات، في تدوينة له، إن هناك مؤسسات ومعايير دولية فوق وطنية متخصصة في تقييم منظومات التشريع والقانون والقضاء، تنشر بشكل دوري تقارير وتصنيفات تقيس مستوى التميز والنجاعة في مجال العدالة، معتبراً أن استحضار هذه المعايير يتيح قراءة مختلفة لأداء المؤسسات القانونية والقضائية، تتجاوز التقييم الشكلي إلى قياس جودة المنظومة وقدرتها على إنتاج عدالة فعالة.
وفي هذا السياق، توقف الأكاديمي عند قرار المحكمة الدستورية بشأن إحالة مشروع قانون المحاماة من طرف رئيس مجلس النواب، معتبراً أن تعذر البت في المشروع، بصرف النظر عن مشروعية التعليل الذي استند إليه القرار، يمكن قراءته، من منظور «الافتحاص الاستراتيجي»، كمؤشر على وجود اختلال في مسار صناعة التشريع وفي طبيعة التنسيق بين البرلمان والحكومة والمحكمة الدستورية.
وأوضح أن هذا النوع من التقييم لا ينشغل فقط بمضمون النصوص القانونية، وإنما يطال أيضاً «المناخ العام» الذي تنتج داخله القوانين، بما في ذلك طبيعة الرقابة البرلمانية والدستورية، وآليات قيادة صناعة النصوص، ومستوى التنظيم والتنسيق والتواصل بين مختلف المتدخلين، فضلاً عن إدارة المخاطر، والمشاركة، والمسؤولية، والمساواة أمام القانون، والمساءلة والشفافية والثقة في المؤسسات.
ويرى حركات أن الافتحاص الاستراتيجي ينبغي أن يمتد إلى طبيعة العلاقة بين مختلف مكونات العدالة، متسائلاً عن مدى تحقق التوازن بين النيابة العامة وهيئة الدفاع، وعن موقع المحامي وصلاحياته في مشروع قانون المحاماة الجديد، خصوصاً في علاقته بالوكيل العام للملك.
كما يضع الأكاديمي أداء المؤسسات المنتخبة والحكومة ضمن دائرة هذا التقييم، من خلال مساءلة مستوى نزاهة وكفاءة البرلمان ومدى تمثيليته الحقيقية للمواطنين، وقدرته على إنتاج تشريع جيد والتعبير عن المصالح العامة، إلى جانب تقييم مدى توفر الجهاز الحكومي على رؤية استراتيجية تدعم بناء مشروع تنموي ذي أبعاد إنسانية وحقوقية.
ويمتد التصور الذي يطرحه حركات إلى مسألة التكوين المهني والعلمي لمختلف الفاعلين في منظومة العدالة والتشريع، باعتبار أن جودة القانون لا ترتبط بالنص وحده، وإنما أيضاً بالكفاءة المؤسساتية والمعرفية للجهات التي تصوغه وتناقشه وتراقب دستوريته وتطبقه.
وفي جانب آخر، أثار الأكاديمي إشكالية مكافحة الفساد وتنازع المصالح والإثراء غير المشروع، من خلال ما اعتبره قيوداً مرتبطة بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية الجديد، متسائلاً عن مدى اتساع دائرة الجهات القادرة على التبليغ عن جرائم الفساد، وعن موقع النيابة العامة والمجتمع المدني والمواطنين في منظومة التبليغ والمساءلة.
واعتبر أن فعالية مكافحة الفساد تقتضي النظر إلى منظومة التبليغ باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمساءلة وحماية حقوق الإنسان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوقائع قد تستدعي تدخلاً مؤسساتياً سريعاً ومستقلاً.
ولم يحصر حركات ملاحظاته في التشريع الجنائي، إذ وسّع دائرة النقاش لتشمل الولوج إلى العدالة ومقتضيات قانون المسطرة المدنية الجديد، مستشهداً بما أورده بشأن الرسوم المرتبطة بطلبات إعادة النظر في الأحكام، والتي أشار إلى أنها تصل إلى 3000 درهم بمحاكم الدرجة الأولى، و4000 درهم بمحاكم الدرجة الثانية، و5000 درهم بمحكمة النقض.
ويرى حركات أن هذه المبالغ، بالنظر إلى وضعية عدد من المتقاضين، قد تتحول إلى عائق أمام ممارسة بعض الحقوق القضائية، وتطرح بالتالي سؤالاً أوسع حول العلاقة بين كلفة التقاضي ومبدأ الولوج الفعلي إلى العدالة، باعتبار أن العدالة لا تكتمل بمجرد إتاحة الحق في اللجوء إلى القضاء من الناحية القانونية، وإنما تتطلب أيضاً إزالة العوائق المالية والمؤسساتية التي قد تحول دون ممارسته فعلياً.
ويضع هذا الطرح مجمل المنظومة أمام سؤال يتجاوز تقييم نص قانوني بعينه: هل تمتلك صناعة التشريع والعدالة بالمغرب آليات منتظمة لقياس جودة أدائها ومخاطرها واختلالاتها وفق معايير مستقلة وموضوعية؟
وبالنسبة إلى حركات، فإن «الافتحاص الاستراتيجي» يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة قراءة العلاقة بين التشريع والقضاء والحكومة والبرلمان والمجتمع المدني، وربط جودة القانون بمدى قدرته على إنتاج الثقة والإنصاف والمساءلة، وتحويل دولة الحق والقانون من مبدأ دستوري إلى ممارسة مؤسساتية قابلة للقياس والتقييم.



