
كش بريس/التحرير ـ رغم الأرقام التي قدمتها وزارة الشباب والثقافة والتواصل بشأن استقطاب الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب لأزيد من نصف مليون زائر، فإن الحصيلة الثقافية والفكرية للمعرض تثير أسئلة حقيقية حول مآل هذا الموعد الذي فقد، منذ نقله من الدار البيضاء إلى الرباط، جزءاً كبيراً من روحه الجماهيرية وحاضنته الشعبية الواسعة التي كانت تمنحه نبضه الثقافي الحي وتحوّله إلى تظاهرة مفتوحة على مختلف الشرائح الاجتماعية والطلابية والمهنية.
فالمعرض، الذي كان في العاصمة الاقتصادية فضاءً حقيقياً للاحتكاك الشعبي بالكتاب، بات في الرباط أقرب إلى تظاهرة مغلقة داخل دائرة جغرافية وإدارية محدودة، بعيدة عن الكثافة السكانية والامتداد المجتمعي الذي كانت توفره الدار البيضاء. ولم ينجح خطاب “العاصمة العالمية للكتاب” في إخفاء هذا التراجع الواضح في العلاقة العضوية بين المعرض وعمقه الشعبي، إذ تحوّل الحدث تدريجياً إلى مناسبة بروتوكولية أكثر منه موسماً ثقافياً وطنياً واسع التأثير.
كما كشفت الدورة الأخيرة عن اختلالات تنظيمية لافتة، أبرزها ضيق الفضاء المخصص للمعرض مقارنة بعدد العارضين والزوار، وهو ما تسبب في اكتظاظ خانق داخل الممرات والأروقة، وصعوبات كبيرة في التنقل والولوج إلى الندوات واللقاءات الفكرية. وبدا واضحاً أن البنية الحالية للمعرض لم تعد قادرة على استيعاب هذا الحجم من المشاركة، ما انعكس سلباً على راحة الزوار وجودة التفاعل الثقافي.
وعلى مستوى البرمجة الثقافية، طغى الارتباك وسوء التدبير على عدد من الندوات واللقاءات، سواء من حيث التوقيت أو التوزيع أو الترويج، إذ جرى تنظيم فعاليات متزامنة تستهدف الجمهور نفسه، ما أدى إلى تشتيت الحضور وإفراغ بعض اللقاءات من قيمتها الفكرية. كما سُجل ضعف واضح في الرؤية الثقافية المؤطرة للبرنامج، الذي بدا أقرب إلى تجميع مناسبات متفرقة منه إلى مشروع فكري متكامل يعكس التحولات الثقافية والأسئلة الكبرى التي يعيشها المجتمع المغربي.
وأثار المعرض أيضاً انتقادات واسعة بسبب استمرار منطق الأسماء الجاهزة والمتكررة في البرمجة، مقابل تغييب وإقصاء عدد من المثقفين والباحثين والمبدعين المغاربة الذين راكموا تجارب نوعية في الفكر والأدب والنقد والفنون. وتحول المشهد الثقافي داخل المعرض، بالنسبة إلى كثير من المتابعين، إلى دائرة مغلقة يعاد فيها تدوير الأسماء نفسها في الندوات والتكريمات والحوارات، في غياب إرادة حقيقية لضخ دماء جديدة أو فتح المجال أمام أصوات فكرية وإبداعية مختلفة.
ولم تنجح كثافة الفقرات المعلنة، التي تجاوزت آلاف الأنشطة، في إخفاء هذا العطب البنيوي، إذ إن تضخم الأرقام لا يعني بالضرورة جودة المحتوى أو عمق الأثر الثقافي. فالرهان الحقيقي لأي معرض كتاب لا يقاس بعدد الندوات ولا بحجم العناوين المعروضة فقط، بل بقدرته على خلق نقاش فكري حي، وتوسيع قاعدة القراءة، وإعادة الاعتبار للمثقف والكتاب داخل الفضاء العمومي.
وتكشف التجربة الحالية أن المعرض الدولي للنشر والكتاب بات في حاجة إلى مراجعة شاملة، تبدأ بإعادة التفكير في موقعه الجغرافي ووظيفته الثقافية، ولا تنتهي عند إعادة هيكلة برمجته وآليات تدبيره واختياراته الفكرية. فاستمرار الحدث بهذه الصيغة المكرورة يهدد بتحويله إلى موعد احتفالي فاقد للروح، بعيد عن انتظارات القراء والمثقفين، وعاجز عن لعب دوره الحقيقي كرافعة ثقافية وطنية مفتوحة على المجتمع بكل مكوناته.



