‏آخر المستجداتفنون وثقافة

أحمد الريسوني: الذكاء الطبيعي يصنع الحضارة والغباء المصطنع يهدمها

ينطلق المقال الجديد للباحث والمقاصدي المغربي أحمد الريسوني، والذي نشره في صفحته الرسمية بالفايس، تحت عنوان “الغباء الاصطناعي أيضا”، (ينطلق) من مقارنة بين “الذكاء الاصطناعي” الذي أصبح عنوانا للتطور العلمي المعاصر، وبين ما يسميه الكاتب “الغباء الاصطناعي”، وهو – في نظره – تعطيل الإنسان لعقله الطبيعي وإقصاء منطقه الفطري، من أجل تبرير مواقف أو مصالح أو أهواء معينة. ويؤكد الكاتب أن الذكاء الاصطناعي الحديث ليس إلا ثمرة من ثمرات العقل البشري الذي كرّم الله به الإنسان، ومنحه القدرة على التفكير والتدبر والبيان والتواصل، مما جعله يحقق التراكم المعرفي والحضاري عبر التاريخ.

ويستشهد الريسوني بأقوال دينية وفكرية تؤكد مكانة العقل والإنسان، معتبرا أن القدرة على التفكير والتمييز هي أساس التفوق البشري، ومنها انبثقت الاختراعات العلمية والتكنولوجية الحديثة. لكنه يرى في المقابل أن بعض الناس لا يكتفون بإهمال العقل، بل “يصطنعون الغباء” عمدا حتى يتهربوا من الحقائق أو الالتزامات التي تفرضها عليهم القناعة العقلية والأخلاقية.

وفي هذا السياق، يتوقف عند فئة الملحدين، معتبرا أنهم يعطلون “الذكاء الطبيعي” من أجل إنكار وجود الخالق، رغم ما يراه من دلائل كونية وعلمية لا حصر لها تشير إلى وجود الله ووحدانيته. ويرى أن الإنسان العاقل، إذا تأمل الكون والحياة والكائنات، يجد آثار الخلق والنظام والإتقان واضحة في كل شيء. ويشير إلى أن بعض حالات الشك أو الحيرة قد تكون مؤقتة بسبب أزمات فكرية أو نفسية، لكن الإلحاد المستقر – بحسب تصوره – لا يتحقق إلا عبر ما يسميه “الغباء الاصطناعي”.

ويضيف أن كثيرا من الملحدين لا يرفضون الإيمان بسبب ضعف الأدلة، بل لأن الاعتراف بالله يستتبع – في نظرهم – التزامات دينية وأخلاقية لا يريدون التقيد بها، فيلجؤون إلى إنكار الغيب والبعث والحساب، وتفسير الكون باعتباره نتاجا للعشوائية والتفاعلات المادية فقط.

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الحديث عن “السوفسطائيين واللاأدريين”، وهم الذين يشككون – حسب وصفه – في كل الحقائق العقلية والحسية والدينية، ويعتبرون أن كل شيء قابل للنفي والإثبات في الوقت نفسه. ويرى أن هذا الاتجاه يمثل ذروة “الغباء الاصطناعي”، لأنه ينتهي إلى هدم معنى الحقيقة نفسها. ويستعيد في هذا السياق قصة أوردها ابن الجوزي عن أحد السوفسطائيين الذي كان ينكر الحقائق، فلما سُرقت دابته عاد يطالب بها متيقنا من وجودها، فتمت محاججته من داخل تناقضه الفكري، ما جعله يتراجع عن مذهبه.

ثم يتناول ما يعرف بـ”الفلسفة العبثية” التي انتشرت في أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي ترى أن الحياة بلا معنى، وأن الوجود الإنساني مجرد عبث لا يستحق التعلق به. ويعتبر الكاتب أن هذه الفلسفة امتداد حديث للسفسطة القديمة، مستحضرا “أسطورة سيزيف” باعتبارها رمزا للعبثية، حيث يحكم على الإنسان بتكرار فعل لا جدوى منه. ويربط الكاتب بين هذه الرؤية وبين انتشار الدعوات إلى الانتحار وتمجيده لدى بعض رموز الفكر العبثي الذين رأوا في الموت خلاصا من لا معنى الحياة.

وفي محور آخر، يتحدث الريسوني عن فئة “عباد الحكام”، وهم – بحسب المقال – الذين يعطلون عقولهم من أجل تبرير أفعال السلطة ومدح الحكام بشكل مطلق، لأنهم يرون فيهم مصدر المنافع والمكانة والجاه. ويورد نماذج تاريخية من العصرين الأموي والعباسي، توضح كيف كان بعض الناس يبررون أخطاء الحكام أو يغيّرون مواقفهم الفكرية والدينية فقط إرضاء للسلطة. ويستشهد بأقوال لابن تيمية وحكايات عن المأمون العباسي ليبين كيف يتحول التبعية السياسية إلى نوع من “الغباء المصطنع” الذي يلغي التفكير الحر والنقدي.

وفي القسم الأخير من المقال، يبحث الكاتب في دوافع اللجوء إلى “الغباء الاصطناعي”، معتبرا أن القرآن أشار إلى هذه الظاهرة من خلال الحديث عن الاستكبار والجحود وكتمان الحق. ويرى أن بعض الناس يرفضون الحقيقة رغم اقتناعهم بها، لأنهم يخشون فقدان مصالحهم أو مكانتهم الاجتماعية والدينية، أو لأن الاعتراف بالحقيقة يفرض عليهم تغييرا جذريا في حياتهم وسلوكهم. كما يشير إلى أن بعض المثقفين أو الزعماء يرفضون الاعتراف بالحق لأنهم يعتبرون أنفسهم في موقع القيادة الفكرية التي لا تقبل التلقي من غيرها.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أن طريق “الغباء الاصطناعي” يبدو سهلا ومريحا لأنه يحرر الإنسان من المسؤولية والتكليف، بينما يفرض “الذكاء الطبيعي” على صاحبه مواجهة الحقيقة وما يترتب عنها من التزامات أخلاقية وروحية وفكرية. ولذلك – بحسب المقال – يختار بعض الناس الوهم والإنكار والعبث، لأن الحقيقة قد “تقلب حياتهم رأسا على عقب”.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button