
إذا كانت الحكمة ضالة المؤمن فإن البحث عن الحقيقة جوهر وجوده، لا لشيء، سوى لأن التقدم لا يحصل إلا بالتحري عن الحقائق مهما استوجبت العملية من تضحيات، وتقديم قرابين، في سبيل البحث عن الحقيقة، في زمن اختلاط الأوراق، واصطباغ المشهد بالزيف، وتغليفه بالأباطيل.
فقط من يمتلك الجرأة، هو من يمكنه أن يخوض مغامرات من هذا النوع، للتعرية عمّا بات يشهده عالمنا من تحولات كبرى متوحشة، على حساب إنسانية الكائن وهشاشته، وضدا في منظومة الأخلاق والقيم.
من منا، مها كان صغير الشأن، أو عظيمه، كل موقعه كإنسان، لا يتبادر إلى ذهنه، هذا السؤال: منذ مدة، ما الذي تغير؟
الواحد منا، سواء في قبيلته، أو في مدينته، أو في وطنه، أو في عالمه، من حيث الانتماء، كباحث دؤوب عن الحقيقة، لا بد وأن يطرح هذا السؤال: ما الذي تبدل؟
من المخجل أن تكون الإجابة: لا شيء، تقريبا، في سياق جذرنا الإنساني المُشترك.
رغم أن نجاحات عالمنا المادي، اليوم، أضحت تُقاس، بشبّاك التذاكر، وليس أكثر، في إهمال تام لاعتبارات أخرى، كمنسوب الإفلاس الأخلاقي، مثلا.
القوى العُظمى تتقاسم الكعكة، فيما بينها، وبمعزل عن صرخات الجياع، وتختلق صراع اللصوص الذين يجري عليهم المثل القائل: “ما شفناهمش يسرقو شفناهم يتقاسمو“.
قوى عظمى تستحوذ على الكعكة، وتمتص، كإسفنجة، ثروات الدول المتخلفة والنامية والتابعة والموالية، بداعي الحماية أو الوصاية، إلخ…
لماذا كامل هذا الجشع الاقتصادي؟ ما هذا الظلم الذي يملأ العالم؟ ما هذه السادية والاضطهاد والاستعباد؟
لماذا هذه الغطرسة، وهذه الذئبية، ما دامت الكرة الأرضية بهذا الثراء والجود والسخاء والخزائن التي لا تنفد..؟
أيتغول ويتعملق ويجور الإنسان، إلى هذا الحد؟ علما أنه، أي هذا الإنسان، مجرد كائن ضعيف..؟
أضعف مما يمكن أن يُتصور، تقهره أدنى الاختبارات، ولكنه لا يتعظ ولا يرتدع.
نعم هو هكذا وأكثر، هذا الإنسان بين مزدوجتين، لأن هذا المخلوق منزوع الإنسانية، وهو الأعجز، بين الكائنات، وما هو إلا جزء من تريليون جزء، من ذرة تسبح ببراءة، ومن غير أن تنفع أو تضر إلا بإذن خالقها، راعيها في ملكوته، وكونه الواسع.
ببساطة، حين تغيب، أو تُغيّب ثقافة بناء الإنسان، هذا ما يحصل، بالضبط.
دول قوية تأكل أخرى ضعيفة، للأسف.
على سبيل المثال، لا الحصر، في مقدور أي منا أن يتساءل: ما الإضافة التي قدمتها مؤسسة عملاقة، من قبيل الناسا؟ يُنفق على مشاريعها الواهية بهدر وريع كبير، بل تراها تمتص دماء فقراء العالم، بما يوسع دائرتهم، كي يتباهى سدنتها، في الأخير، بإنجازات مخادعة جدا، وذكية الحيل.
ما الذي يستفيده من هذا التمذهب، أو بالأحرى، الشذوذ الذي يتقنّع بشوقيات الكماليات، ويظفر به، مواطن عادي جدا، في بقعة نائية ومنزوية، ومعزولة من هذا العالم الكبير المتوحش..؟
مواطن بسيط جدا، يُغالب قهرية الزمن، غارق حتى النخاع، في مشاكله الشخصية، يكابد ما يكابده، في كل لحظة، من تهديد للهوية والوجود، وتحديات قوت، ويحترق بنيران الإقصاء والعنصرية، وغلاء الأسعار وتضييق على الحرية ونيل من كرامة.
ما الذي قد بجنيه، من غزو الفضاء، واختلاق قصص عن مخلوقات وهمية، وصرف الأنظار إلى حروب كونية سوريالية، تعتيما على مرض واقعي عضال..؟
ما الذي قد تثمره كهذه ترهات، تدغدغ قصعة المساكين، من غير أن تهبها ولو قطرة ماء، في صحراء ممتدة وملتهبة، عنوانها الأبرز هو الظمأ، مع أن العرض بأكمله يتم على نحو من بهلوانية، تعرف كي تسحر العطشى، وتمارس عليهم، شتى أضرب الإغراء..؟
فقط، ببناء الإنسان المثقف والجاد والملتزم، نستطيع أن نحقق استقلاليتنا كخير أمة أخرجت للناس، ونضمن سيادتنا، ونصنع مناعتنا، ضد أطماع العدو، سواء أكان، من بني جلدتنا، أو من نسل آخر.
لأنك عندما تراهن على الرأسمال البشري، فتبني إنسانا، إنما أنت تبني أجيالا قادرة على حمل أمانة التعمير، بضمير ومسؤولية.
هناك مؤسسات أقل من أن نأتي على ذكر سيرتها، تُستخدم كطعم، للاستقواء، وفرض إرادة نفعية سلبية، معمّقة للفجوة ما بين الثقافة الإنسانية وزعامة عالم يموج في أنانيات المجانين.
هؤلاء، يتحدثون عن تهديد الكوكب، وخطورة جنس فضائي مجهول الهوية، لذر الرماد في العيون فقط، ومن أجل تعبئة تتناسل لها مصالحهم المنحطّة، مع أنهم هم التهديد الأكبر، لأمن واستقرار الكرة الأرضية برمتها، ويدفعهم إلى استعجال قيامة مؤجّلة، الانفصام في الشخصية، وجنون العظمة، لا أكثر.
المؤسف، أن تدخل الأيادي الخبيثة، في الطبيعة، لتغيير جيناتها في ما أنيط بها من وظائف، وزعتها مشيئة ربانية، لا تخطئ العدالة والرحمة، لهو صلب محاولات سلْعنة إنسانية الكائن، في آفاق ما يمتد عنها تارة، وينشدّ إلى أنويتها، أخرى.




