‏آخر المستجداتفنون وثقافة

أكرم توفيق: حين يفقد الصباحُ ورديّتَه.. قراءة نقدية في قصيدة حسن عبد الحميد

الصباح ..
لم يكن وردياً هذا المساء
شعر/حسن عبدالحميد
بسرعةِ نبض
على طولٍ .. وعرضٍ
سأُغني للأرضِ
بأن تكفَّ .. عن اللفِ
والزحفِ ..
وأن تلوذَ بما تبقّى لها من (ثولان) الدوران
كما الثور في بئرٍ من الحرمانِ
يلهثُ .. ولا يرثُ
غير آهاتِ الزمانِ
فلم يكن صباح اليوم .. ورديّاً
كما من قبلِ ليلٍ .. كان !!!
فيما لم نعدْ .. نَحنُ – نَحنُ
إذ محى .. الظّل فينا
وتصادفُ أن شاخ ..!!

…….

هذه القصيدة لا تتحدث عن صباح عابر ولا عن مساء فقد لونه فحسب إنها تضعنا أمام زمن داخلي اختلّت بوصلته حتى غدت الأشياء مألوفة في ظاهرها غريبة في معناها.
فالصباح الذي يفترض أن يكون وعداً بالبداية يأتي هنا مثقلاً بما تركه الليل وكأن الشاعر لا يرى في تعاقب الليل والنهار تجددا بل استمرارا لحالة واحدة من التعب والانتظار.
منذ الاستهلال
الصباح ..
لم يكن وردياً هذا المساء

يضعنا الشاعر أمام مفارقة زمنية مقصودة. فالصباح يُستدعى داخل المساء والورديّة تُنفى عن كليهما. إنها ليست لعبة في الزمن بقدر ما هي إرباك للشعور بالزمن حين يصبح الداخل الإنساني عاجزاً عن التمييز بين بداية ونهاية بين ضوء وعتمة وبين ما كان وما ينبغي أن يكون.
ثم تأتي عبارة
بسرعةِ نبض
على طول .. وعرض

لتمنح القصيدة إيقاعاً متوتراً. النبض هنا ليس مجرد إشارة إلى الحياة بل إلى القلق والاستنفار. أما (الطول والعرض) فتفتح حركة القصيدة على فضاء واسع كأن هذا النبض لم يعد محصوراً في جسد الشاعر وإنما صار ممتداً في الأرض والزمن والوجود.
ولعل أكثر مقاطع القصيدة إثارة للتأمل قول الشاعر

سأُغني للأرضِ
بأن تكفَّ .. عن اللفِ
والزحفِ ..

فالأرض التي يفترض أنها ثابتة تُمنح فعلاً إنسانياً متعباً اللف والزحف. إنها أرض فقدت سكونها أو إنسان فقد إحساسه بالاستقرار حتى أسقط اضطرابه على العالم من حوله.

ثم تأتي الصورة الأكثر غرابة وكثافة
وأن تلوذَ بما تبقّى لها من (ثولان) الدوران
كما الثور في بئر من الحرمانِ

هنا تتشكل دائرة مغلقة الأرض تدور، والثور يدور والبئر مغلقة والحرمان بلا مخرج. و(الثولان) بما يحمله اللفظ من معنى الدوران المضطرب أو فقدان الاتزان يبدو مناسباً تماماً لهذا العالم الشعري الذي يدور كثيراً ولا يصل إلى مكان.
أما
يلهثُ .. ولا يرثُ
غير آهاتِ الزمانِ

فهي من أجمل مناطق القصيدة من الناحية الإيقاعية والدلالية. التقابل بين (يلهث) و(يرث) يخلق جرساً داخلياً بينما تتحول (آهات الزمان) إلى ميراث وحيد. وكأن الإنسان الذي عجز عن وراثة شيء من هذا العالم لم يبق له إلا أن يرث تعب الزمن نفسه.
ويتكرر بعد ذلك مفتاح القصيدة

فلم يكن صباح اليوم .. وردياً
كما من قبلِ ليل .. كان !!!

التكرار هنا ليس حشواً إنه تثبيت للخسارة. فالصباح الأول لم يكن وردياً والصباح الأخير كذلك وبينهما ليل طويل يبدو أنه ابتلع القدرة على الأمل. وعبارة (كما من قبل ليل كان) تفتح باباً على ماض كان أكثر وضوحاً أو ربما كان الشاعر يظن أنه كذلك.
لكن القصيدة تبلغ ذروتها الحقيقية في خاتمتها

فيما لم نعدْ .. نَحنُ – نَحنُ
إذ محى .. الظّل فينا
وتصادفُ أن شاخ ..!!

هنا تنتقل القصيدة من اختلال العالم إلى اختلال الذات.
(لم نعد نحن ـ نحن) ليست مجرد عبارة عن التغير إنها إعلان عن فقدان الهوية الداخلية. الإنسان لا يتغير فقط بل يفقد النسخة التي كان يعرفها من نفسه. ولعل (الظل) هو أعمق مفردة في هذه الخاتمة فالظل قرين الإنسان صورته التي ترافقه دون أن يتكلم. وحين يقول
محى الظل فينا
فإن الشاعر لا يقول إن الإنسان فقد صورته بل فقد أثره فقد العلامة التي كانت تقول إنه كان هنا.

ثم تأتي كلمة
وشاخ ..!!
مفردة وحيدة لكنها تحمل ثقل القصيدة كلها. والأجمل أنها لم تحدد من الذي شاخ؟ الإنسان؟ الظل؟ الزمن؟ الصباح؟ الذاكرة؟ الوطن؟
هذا الإبهام يمنح النهاية اتساعها. فكل شيء قابل لأن يكون قد شاخ.
واللافت أن الشاعر يستخدم علامات الحذف والتعجب بكثافة: (..) (..!!) وكأن اللغة نفسها تتعثر في الوصول إلى ما تريد قوله. وهذا يتناسب مع الحالة النفسية للنص فهناك أشياء لا تُقال كاملة وإنما تُترك معلقة في المسافة بين الكلمة والصمت.
القصيدة في جوهرها قصيدة اغتراب عن الزمن وعن الذات. إنها لا ترثي الصباح بل ترثي الإنسان الذي لم يعد قادراً على استقبال الصباح بالطريقة التي كان يستقبله بها من قبل. لذلك فإن (الوردي) ليس لوناً هنا وإنما مزاج وجودي لون الأمل والبدايات والقدرة على رؤية الغد.
وقد تبدو القصيدة للوهلة الأولى عصية بسبب تراكم الصور والانزياحات غير أن هذا التعقيد يخدم تجربتها فالشاعر لا يقدم معنى جاهزاً بل يدفع القارئ إلى الدوران معه في الدائرة ذاتها أرض تدور.. ثور يدور.. زمن يلهث.. وذات تبحث عن ظلها فلا تجده.
إنها قصيدة عن الزمن حين يتحول من تقويم إلى عبء وعن الإنسان حين يكتشف أن أكثر ما يؤلمه ليس أن يتغير العالم، بل أن يتغير هو حتى لا يعود يعرف نفسه.
وربما لهذا السبب تحديداً لم يكن الصباح وردياً
لأن الذي تغيّر لم يكن الصباح… بل نحن.

*كاتب وناقد عراقي

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button