افتتاحية: الـ210 مليارات والانتخابات على الأبواب.. هل نحن أمام هندسة جديدة للمال السياسي؟

أقدم رئيس الحكومة مؤخرا على إصدار مرسوم يحمل رقم 2.26.634 والصادر في 3 غشت 2026 عيّن من خلاله فوزي لقجع، بصفة انتقالية، آمراً بقبض موارد وصرف نفقات الحساب الخصوصي المسمى «صندوق التنمية الترابية المندمجة». مع العلم أن الغلاف المعلن للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، فيما رُصد للصندوق في قانون مالية 2026 نحو 5 مليارات درهم كاعتمادات أداء و15 ملياراً كاعتمادات التزام.

لم يكن تعيين فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، آمراً بقبض موارد وصرف نفقات صندوق التنمية الترابية المندمجة مجرد تفصيل إداري عابر، حتى وإن صيغ القرار قانونياً باعتباره تعييناً «بصفة انتقالية». فالأمر يتعلق بحساب خصوصي يرتبط بواحد من أكبر الأوراش المالية والتنموية التي تستعد الدولة لإطلاقها، بغلاف إجمالي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، في وقت لا تفصل البلاد سوى أسابيع عن الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل.

فإذا كان التعيين مرتبطاً حصراً بصفة لقجع الحالية وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، فإن عبارة «انتقالي» تبدو كافية لتفسير المسألة من الناحية القانونية: يتولى المسؤول الحكومي الأمر بالصرف إلى أن تتحدد الهندسة الحكومية المقبلة. وبمجرد تشكيل حكومة جديدة، يمكن أن تنتقل هذه الصلاحية إلى وزير الميزانية الجديد أو إلى الجهة التي ستحددها النصوص التنظيمية.

نحن إذن أمام 210 مليارات درهم مخصصة لورش يمتد على ثماني سنوات، ويستهدف تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتحسين ظروف العيش في المناطق التي تعاني خصاصاً في البنيات والخدمات الأساسية. وهذا الحجم المالي، في حد ذاته، يجعل من السؤال عن الجهة التي تمسك بمفتاح الصرف سؤالاً سياسياً بامتياز، حتى عندما تكون الصلاحية محددة قانوناً.

الأكثر إثارة أن هندسة هذا الورش لا تجعل الوزير المكلف بالصرف هو من يصمم المشاريع ميدانياً. فوزارة الداخلية اضطلعت بإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، من خلال الولاة والعمال، فيما تتولى البنية الترابية تجميع الأولويات والمشاريع، وتوجد لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة ضمن آلية الحكامة المعتمدة. وبذلك تتوزع السلطة بين من يحدد الأولويات الترابية، ومن ينسقها، ومن يمسك بالمفتاح المالي، ومن ينفذ المشاريع على الأرض.

وهنا تحديداً تكمن حساسية المسألة. فالوالي والعامل يملكان موقعاً تنفيذياً بالغ التأثير في تنزيل المشاريع الترابية، والقطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية تتولى إنجاز الأوراش، بينما يتيح الأمر بالصرف قانونياً الالتزام بالنفقات وصرف الاعتمادات وفق المساطر المعمول بها. أي أن الحديث عن «لقجع وصندوق الـ210 مليارات» لا يعني أن الرجل سيختار وحده المشاريع أو يوزع الأموال على الأقاليم، كما قد يوحي الخطاب السياسي المتداول؛ لكنه يعني أنه يوجد في نقطة مالية مركزية داخل منظومة متعددة المستويات لصناعة القرار التنموي.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي عدم طمسه.

المشكلة ليست في أن يتولى وزير الميزانية، بحكم صفته، مسؤولية الأمر بالصرف. المشكلة السياسية تبدأ عندما يُوضع هذا الاختصاص الحساس في قلب مرحلة انتخابية شديدة التنافس، ويكون الشخص المعني في الوقت نفسه واحداً من أبرز الوجوه الحكومية والسياسية التي دخلت حديثاً إلى المعترك الحزبي. والأمر هنا ليس افتراضاً سياسياً محضاً. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز الماضي التحاق فوزي لقجع بصفوفه، في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة.

لذلك، فإن السؤال المشروع ليس: هل يستطيع لقجع قانوناً أن يأمر بصرف اعتمادات الصندوق؟ فالجواب تحدده النصوص.

السؤال الأكثر إزعاجاً هو: كيف يمكن ضمان الفصل الكامل بين القرار التنموي والقرار الانتخابي، حين تتزامن سلطة مالية ضخمة مع لحظة سياسية انتخابية، وحين يكون صاحب الاختصاص المالي نفسه فاعلاً حزبياً مرشحاً لخوض الانتخابات؟

هذه ليست إدانة مسبقة للرجل، ولا اتهاماً له باستعمال المال العام لأغراض انتخابية؛ فمثل هذا الاتهام يحتاج إلى وقائع وأدلة. لكنها مسألة حكامة وثقة عمومية تستحق أن تُطرح قبل أن تبدأ الاعتمادات في التحول إلى مشاريع وورشات وصفقات على الأرض.

فالـ210 مليارات ليست رقماً محاسبياً فقط. إنها طرق وماء ومدارس ومراكز صحية وتأهيل للمجالات القروية والجبلية وفرص اقتصادية ومشاريع ستظهر آثارها، بدرجات متفاوتة، في عدد كبير من الأقاليم والجماعات. وقد أعلنت الدولة أن البرامج الجديدة تستهدف تحديد الأولويات انطلاقاً من الحاجات المعبر عنها محلياً، وهو ما يجعل طريقة اختيار المشاريع وتحديد أولوياتها أكثر حساسية من مجرد طريقة صرف الاعتمادات.

ومن هنا تصبح الشفافية أهم من الشخص. فما نحتاجه ليس فقط معرفة من هو الآمر بالصرف، وإنما معرفة: من يقترح المشروع؟ من يرتبه ضمن الأولويات؟ من يصادق عليه؟ من يراقب كلفته؟ من يمنح الصفقة؟ من يتتبع الإنجاز؟ من يقيس أثره؟ ومن ينشر للرأي العام حجم الأموال التي صرفت ومآلها؟ لأن التنمية الترابية إذا تحولت إلى سلسلة مغلقة من القرارات الإدارية، فإن المواطن لن يرى فيها سوى أرقام ومشاريع جاهزة. أما إذا أصبحت البيانات المتعلقة بها متاحة للعموم، من الاعتمادات إلى الصفقات إلى نسب الإنجاز، فإنها تتحول إلى حق في المراقبة والمساءلة.

ثم هناك مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها. لقد سبق أن كان صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية موضوعاً لصراع سياسي قوي حول الجهة التي تملك سلطة الأمر بالصرف. وتاريخ الصندوق نفسه يبين أن مسألة من يمسك بهذه الصلاحية لم تكن تقنية خالصة، بل كانت دائماً مرتبطة بتوازنات السلطة داخل الحكومة. وقد أعيد إحياء الصندوق في 2026 تحت اسم «صندوق التنمية الترابية المندمجة»، ضمن تصور جديد للبرامج يمتد لثماني سنوات.

لذلك، فإن وصف تعيين لقجع بأنه «انتقالي» لا يغلق النقاش، وإنما يفتحه.

انتقالي إلى ماذا؟

إلى حكومة جديدة؟ إلى وزير ميزانية جديد؟ إلى هندسة حكومية مختلفة؟ أم إلى إعادة تعريف موقع الصندوق نفسه داخل منظومة التنمية الترابية؟

كل هذه الأسئلة ستجد جوابها بعد الانتخابات المقبلة، لكن ما ينبغي ألا يتغير هو شيء واحد: قواعد الحكامة.

فإذا كان لقجع سيغادر منصبه بعد تشكيل الحكومة المقبلة، فإن الأموال لن تغادر معه. وإذا انتقلت صفة الآمر بالصرف إلى وزير آخر، فإن المشاريع ستستمر. وإذا تغيرت الحكومة، فإن الـ210 مليارات ستظل أموالاً عمومية، وليست رصيداً سياسياً لأي حزب أو مسؤول. وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: التنمية ليست حملة انتخابية مؤجلة، والمال العمومي ليس أداة لإنتاج الشرعية السياسية.

أما إذا كان المطلوب أن تتحول هذه المشاريع إلى رافعة انتخابية لأي طرف، فإن الخطر لا يكمن فقط في احتمال سوء الاستعمال، وإنما في شيء أعمق: أن يفقد المواطن ثقته في فكرة التنمية نفسها، وأن يرى في كل طريق أو مركز صحي أو مشروع قروي ثمناً سياسياً لا حقاً من حقوقه كمواطن.

لذلك، فإن أفضل اختبار لهذه التجربة لن يكون في عدد المليارات المعلنة، ولا في عدد المشاريع التي ستدشن، ولا في أسماء الوزراء الذين سيتعاقبون على الصندوق.

الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الدولة على إثبات أن الـ210 مليارات ستُدار بمنطق الدولة، وتُنفذ بمنطق الحكامة، وتُراقب بمنطق الحق العام؛ بعيداً عن لون الحزب، واسم الوزير، وموعد الانتخابات. وإلا فإن عبارة «التنمية الترابية المندمجة» قد تتحول، إلى عنوان كبير لمعركة صغيرة على من يملك مفاتيح المال قبل أن يملك المواطن مفاتيح التنمية.

Exit mobile version