
كش بريس/التحرير ـ مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تتجه الأنظار إلى البرامج والوعود التي ستضعها الأحزاب السياسية أمام الناخبين، غير أن فئات مهنية اختارت أن تطرح على هذه الأحزاب أسئلة أكثر تحديداً، تتصل بما ينتظرها من قرارات في تدبير القطاعات العمومية. وفي هذا السياق، وجدت قضايا موظفات وموظفي الجماعات الترابية طريقها إلى النقاش الانتخابي، بعدما وضعت الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، القيادات الحزبية أمام حزمة من الملفات المهنية والاجتماعية التي ظلت عالقة لسنوات، مطالبة بمواقف صريحة وتعهدات واضحة بشأن مستقبل الوظيفة العمومية الترابية خلال الولاية الحكومية المقبلة.
وتحاول الهيئة النقابية، من خلال هذه المبادرة، نقل قضايا الموظفين الجماعيين من دائرة المطالب القطاعية إلى صلب النقاش العمومي المرتبط بمستقبل الإدارة الترابية والمرفق العمومي المحلي، معتبرة أن استمرار عدد من الملفات العالقة لسنوات أفرز وضعاً مهنياً واجتماعياً يحتاج إلى معالجة سياسية وتشريعية تتجاوز التدابير الظرفية.
وترى الجامعة أن إصلاح أوضاع موظفي الجماعات الترابية ينبغي أن ينطلق من إعادة بناء الإطار النظامي المنظم لمساراتهم المهنية، وفي مقدمة ذلك الإسراع بإقرار نظام أساسي جديد، عادل ومحفز، يتم إعداده وفق مقاربة تشاركية مع الفرقاء النقابيين، بما يضمن الإنصاف في الأجور، وتكافؤ فرص الترقي، والحركية المهنية، ويضع حداً لما تعتبره النقابة اختلالات راكمها تدبير الموارد البشرية داخل القطاع.
وفي صلب هذه المطالب، تضع النقابة أوضاع المساعدين التقنيين والإداريين والمحررين، باعتبارهم من الفئات الأساسية التي تشكل العمود الفقري للإدارة الجماعية، والتي تقول إنها ظلت تعاني من التهميش والحيف ومن محدودية آفاق التطور المهني.
كما أعادت الجامعة إلى الواجهة ملف الموظفين الحاصلين على شهادات ودبلومات، مطالبة بتسوية أوضاعهم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص واحترام القانون، إلى جانب ضرورة إنهاء حالة الانتظار التي يعيشها خريجو مراكز التكوين الإداري، وفتح ملفات عاملات وعمال الإنعاش الوطني والعمال العرضيين، بما يسمح بإيجاد صيغ تضمن لهم الاستقرار المهني والاجتماعي.
وامتدت المطالب إلى العاملين في شركات التدبير المفوض، خصوصاً أولئك المرتبطين بخدمات النظافة، حيث طالبت النقابة بمراجعة أوضاعهم المهنية والمادية، بالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يؤدونها والظروف الصعبة التي يشتغلون فيها، في مقابل أجور تعتبرها متدنية ولا تعكس حجم المسؤوليات والمخاطر المرتبطة بهذه الخدمات.
ولا تفصل الجامعة بين إصلاح وضعية الموارد البشرية وإعادة تأهيل بيئة العمل داخل الجماعات الترابية؛ إذ طالبت بتوفير مقرات إدارية ملائمة، وتجهيزات ووسائل عمل كافية، وتحسين شروط الصحة والسلامة المهنية، فضلاً عن الارتقاء بظروف استقبال المواطنين وجودة الخدمات المقدمة لهم.
وتطرح النقابة، في هذا السياق، معادلة تعتبرها أساسية في أي إصلاح للإدارة المحلية: جودة المرفق العمومي لا يمكن فصلها عن جودة شروط العمل التي توفر للموظف القدرة على أداء مهامه. ولذلك ترى أن تحميل الموظفين مسؤولية ضعف الخدمات، في غياب الموارد البشرية والتجهيزات والوسائل الضرورية، يختزل أزمة الإدارة في جانبها البشري ويتجاهل شروط اشتغالها الموضوعية.
غير أن اللافت في الرسالة الموجهة إلى الأحزاب السياسية هو انتقال الخطاب النقابي من عرض المطالب إلى مطالبة الفاعلين السياسيين بالكشف عن مواقفهم التفصيلية منها. فالجامعة لا تريد، بحسب مضمون رسالتها، الاكتفاء بشعارات عامة حول العدالة الاجتماعية وإصلاح الإدارة، وإنما تطالب الأحزاب بتحديد تصوراتها بشأن النظام الأساسي المرتقب، والملفات المهنية العالقة، والحركة الانتقالية، وأوضاع الإنعاش الوطني والعمال العرضيين، فضلاً عن خططها لتقوية الموارد البشرية والرفع من فعالية المرفق العمومي المحلي.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في سياق انتخابي، إذ تسعى النقابة إلى جعل قضايا الموظفين الجماعيين جزءاً من النقاش حول البرامج الانتخابية والالتزامات السياسية، وربط الموقف من هذه الملفات بما ستقدمه الأحزاب من تعهدات قبل الاقتراع، بدل تركها رهينة الوعود المؤجلة أو المعالجات الجزئية.
ويأتي هذا التحرك النقابي في وقت ما يزال فيه مسار الإصلاح القانوني للوظيفة العمومية الترابية مفتوحاً على النقاش. فقد صادق مجلس الحكومة، في 14 ماي الماضي، على مشروع القانون رقم 47.25 المتعلق بالنظام الأساسي لموظفي إدارة الجماعات الترابية، غير أن المشروع واجه اعتراضات من أصوات نقابية اعتبرت أن إعداده لم يستوف، في نظرها، شروط المقاربة التشاركية المطلوبة.
ويمنح هذا الوضع للرسالة النقابية بعداً إضافياً، إذ يتقاطع مطلب الموظفين بشأن نظام أساسي جديد مع النقاش الأوسع حول مستقبل الإدارة الترابية، وحدود الإصلاح القانوني، وطبيعة العلاقة بين الإدارة المركزية والجماعات الترابية، ومدى قدرة التنظيمات المحلية على امتلاك موارد بشرية مؤهلة ومستقرة وقادرة على مواكبة الأدوار المتزايدة التي تضطلع بها في تقديم الخدمات العمومية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تبدو الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض حريصة على توسيع دائرة المسؤولية السياسية عن هذه الملفات، من خلال مخاطبة مختلف الأحزاب بدل حصر المطالب في الجهة الحكومية الوصية على القطاع. وهي بذلك تضع قضايا الموارد البشرية الجماعية أمام الفاعلين السياسيين باعتبارها جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الإدارة العمومية المحلية، وبمدى قدرة الإصلاحات المقبلة على الانتقال من تدبير الملفات المتراكمة إلى بناء وظيفة ترابية أكثر استقراراً وعدالة وفعالية.
وبينما تحتفظ وزارة الداخلية بموقع مؤسساتي خاص يجعلها بعيدة، من حيث المبدأ، عن المنافسة الانتخابية المباشرة، فإن الرسالة النقابية توجه خطابها إلى المجال السياسي الذي ستفرزه صناديق الاقتراع، مطالبة بأن تتحول الولاية الحكومية المقبلة إلى محطة للحسم في الملفات المؤجلة، وأن يصبح إصلاح أوضاع موظفي الجماعات الترابية جزءاً من تصور متكامل لإعادة بناء المرفق العمومي المحلي.
وهكذا، لا تضع الشغيلة الجماعية أمام الأحزاب لائحة مطالب مهنية فحسب، وإنما تضعها أمام سؤال سياسي يتعلق بمن سيدير الإدارة الترابية مستقبلاً، وبأي رؤية، وبأي موارد بشرية، وبأي شروط مهنية واجتماعية. وهو سؤال مرشح لأن يحتل موقعاً أكثر حضوراً في النقاش الانتخابي كلما اقترب موعد 23 شتنبر، خصوصاً في ظل تنامي الرهان على الجماعات الترابية باعتبارها الواجهة الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين.




