‏آخر المستجداتقضايا العدالة

القضاء يضع حدودا لإعادة تحديد الوعاء الضريبي ويشدد على ضرورة تعليل استبعاد الخبرة الحسابية

كش بريس/التحرير ـ

كرّس القضاء مبدأً مهماً في المنازعات الضريبية، مؤداه أن سلطة إدارة الضرائب في استبعاد محاسبة الخاضع للضريبة وإعادة تحديد الأساس الضريبي، متى ثبت وجود إخلالات جسيمة تمس مصداقية تلك المحاسبة، لا تعني تحصين التقدير الإداري من المناقشة القضائية، ولا تمنح المحكمة صلاحية تجاوز نتائج خبرة حسابية أمرت بها دون تقديم تعليل مقنع.

وبحسب القاعدة القضائية التي تعكسها المادة موضوع الخبر، فإن الخلاف حول الوعاء الضريبي يظل قابلاً للمناقشة والإثبات، خاصة عندما تكشف الخبرة القضائية عن معطيات حسابية تختلف عن تلك التي اعتمدها المفتش المحقق.

وتبرز أهمية هذه القاعدة في الحالة التي تأمر فيها المحكمة بإجراء خبرة حسابية للتحقق من رقم الأعمال أو الأساس الخاضع للضريبة، ثم ينتهي الخبير إلى رقم أعمال أقل من ذلك الذي سبق أن حدده المفتش المحقق. ففي هذه الحالة، لا يكفي للمحكمة أن تستبعد نتائج الخبرة وتعود إلى التقديرات الإدارية السابقة، من دون بيان الأسباب الفنية والقانونية التي جعلتها لا تطمئن إلى خلاصات الخبير.

ويفترض هذا المسار، وفق المنطق القضائي للمادة، أن يكون استبعاد نتائج الخبرة مؤسساً على تعليل سائغ يكشف مكامن الخلل فيها، أو أن تلجأ المحكمة إلى إجراء خبرة أخرى إذا كانت المعطيات التقنية المتوفرة لا تسمح لها بالحسم في الاختلاف القائم بين التقرير الحسابي وتقديرات الإدارة.

وتكتسي الخبرة القضائية في مثل هذه المنازعات أهمية خاصة، باعتبارها وسيلة للتحقق من المعطيات الحسابية والتقنية التي قد يتعذر على المحكمة حسمها بمجرد التقدير، مع بقاء السلطة النهائية في تقدير عناصر النزاع للقضاء، شريطة أن يكون الأخذ بنتائج الخبرة أو استبعادها مؤسساً على أسباب واضحة ومعللة. وقد أكدت اجتهادات قضائية منشورة أن المحكمة تستطيع اعتماد نتائج الخبرة متى كانت منسجمة مع المهمة المحددة للخبير ومبنية على عناصر ووثائق قابلة للمناقشة.

وفي المقابل، لا تعني الخبرة القضائية أن نتائجها تصبح ملزمة للمحكمة بصورة آلية، إذ يمكن للقاضي مناقشة خلاصاتها واستبعادها متى تبين له أنها لم تستند إلى معطيات كافية أو خرجت عن المهمة المحددة لها. غير أن هذا الاستبعاد يظل بحاجة إلى تعليل يكشف الأساس الذي استند إليه القاضي في تكوين قناعته، خصوصاً عندما تكون الخبرة قد أنجزت بأمر قضائي لمعالجة نقطة فنية محددة.

وتتقاطع هذه القاعدة مع مبدأ أوسع يحكم المنازعة الضريبية، يتمثل في ضمان حق الخاضع للضريبة في مناقشة الأساس الذي اعتمدته الإدارة في تحديد الضريبة. فقد سبق لمحكمة النقض أن اعتبرت أن تعديل الأساس الضريبي يخضع، في الحالات التي ينص عليها القانون، لمساطر تواصلية تتيح للخاضع للضريبة معرفة أسباب التصحيح وتفاصيله وإبداء ملاحظاته، وأن الإخلال بهذه الضمانات يمكن أن يؤدي إلى إلغاء مسطرة فرض الضريبة.

كما أن الاجتهاد القضائي المتعلق بالمحاسبة والخبرة يبرز أهمية استناد النتائج الحسابية إلى وثائق ومعطيات دقيقة، وليس إلى مجرد تقديرات أو افتراضات غير مدعمة. وفي إحدى القضايا التجارية، نوقشت حجية الخبرة الحسابية ومدى كفاية عناصرها، مع التشديد على ضرورة ارتباط خلاصات الخبير بالوثائق المحاسبية والمعطيات القابلة للتحقق.

وبذلك، فإن جوهر القاعدة لا ينحصر في المفاضلة بين تقدير الإدارة ونتيجة الخبرة، وإنما يتعلق بكيفية بناء القناعة القضائية نفسها. فإذا اختارت المحكمة الأخذ بتقدير المفتش بدل النتيجة التي انتهى إليها الخبير، فإن عليها أن تفسر بصورة دقيقة لماذا لم تعتمد النتيجة الفنية التي أمرت بالتحقق منها، وإلا أصبح قرارها معرضاً للطعن بسبب قصور التعليل.

ويضع هذا التوجه حداً لأي تصور يجعل التقدير الإداري للوعاء الضريبي بمنأى عن الرقابة القضائية؛ فالإدارة تملك صلاحيات المراقبة والتصحيح في الحدود التي يرسمها القانون، بينما يظل القضاء الجهة المخولة للفصل في النزاع، على أساس موازنة الأدلة والوثائق والخبرات ومناقشة دفوع الطرفين.

وتبرز أهمية الاجتهاد أيضاً من زاوية حماية التوازن بين طرفي العلاقة الضريبية: حق الدولة في تحصيل الضريبة المستحقة وفق القانون، وحق الملزم في ألا يتحول التقدير الإداري إلى حقيقة غير قابلة للمناقشة. ومن ثم، فإن كل اختلاف بين رقم تحدده الإدارة ورقم تنتهي إليه خبرة قضائية يحتاج إلى معالجة قضائية معللة، لأن سلامة الحكم لا تقاس فقط بالنتيجة التي انتهى إليها، وإنما كذلك بسلامة المسار الذي قاد إليه.

وفي حال تجاهلت المحكمة نتيجة الخبرة دون بيان أسباب مقنعة، أو عادت إلى اعتماد تقديرات المفتش دون معالجة التناقض الحسابي الذي كشفته الخبرة، فإن قرارها يصبح، بحسب القاعدة محل الخبر، مشوباً بانعدام التعليل، بما يجعله عرضة للنقض.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button