
كش بريس/التحرير ـ جددت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” مطالبتها بإعادة مشروع تجريم الإثراء غير المشروع إلى المؤسسة التشريعية، معتبرة أن هذه الآلية القانونية تشكل مدخلا أساسيا لمحاصرة الفساد والرشوة ونهب المال العام واستغلال النفوذ، وهي الجرائم التي غالبا ما تُرتكب في دوائر مغلقة تحكمها السرية والتواطؤ.
وخلال ندوة نظمتها المنظمة أمس الجمعة بالرباط، حول “رهانات تجريم الإثراء غير المشروع”، أكد عبد اللطيف قنجاع، عضو “ترانسبرانسي المغرب”، أن الإثراء غير المشروع ليس سوى الوجه الظاهر لمنظومة متكاملة من الفساد، إذ يتجلى في تضخم غير مبرر لثروة بعض المسؤولين والموظفين العموميين مقارنة بمداخيلهم القانونية.
وأوضح المتحدث أن هذا النوع من الإثراء يطرح إشكالا حقيقيا حين يعجز المعني بالأمر عن تفسير مصادر ثروته أو تبرير الزيادة الكبيرة في ممتلكاته، مشددا على أن الرشوة البنيوية أصبحت مؤشرا مباشرا على اختلال مسارات التنمية وتعثر بناء الحكامة الجيدة.
واعتبر قنجاع أن المغرب ما يزال ضمن البلدان التي تعاني من تفشي الرشوة بشكل ممنهج، مرجعا ذلك إلى غياب إرادة سياسية حقيقية للتصدي للفساد. وفي هذا السياق، عدد خمسة مظاهر اعتبرها دليلا على هذا التراجع، في مقدمتها استمرار الفراغ التشريعي المرتبط بقانون تضارب المصالح، رغم التنصيص عليه دستوريا في الفصل 36.
وانتقد المتحدث ما وصفه بتداخل المصالح داخل تدبير الشأن العام، مستحضرا صفقة تحلية مياه البحر التي فازت بها شركة مرتبطة برئيس الحكومة، معتبرا أن الأمر يثير شبهة توظيف المعطيات المتاحة داخل دواليب السلطة لخدمة مصالح خاصة، وهو ما جعله يصف الحكومة بأنها “حكومة تضارب المصالح بامتياز”.
كما سجل قنجاع أن من مظاهر التراجع في محاربة الفساد عدم انعقاد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد منذ وصول الحكومة الحالية، رغم أن النصوص التنظيمية تنص على اجتماعها مرتين سنويا على الأقل، وهو ما دفع منظمة “ترانسبرانسي المغرب” إلى تجميد عضويتها داخل هذه الهيئة.
وتوقف أيضا عند عدم تجديد ولاية الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بشير الراشدي، معتبرا أن التقارير التي أصدرتها الهيئة خلال فترة رئاسته أزعجت الحكومة، وربط ما حدث له بما سبق أن تعرض له رئيس مجلس المنافسة الأسبق إدريس الكراوي بعد صدور تقارير لم ترق للسلطة التنفيذية.
وفي السياق ذاته، انتقد قنجاع المقتضيات الواردة في مشروع قانون المسطرة الجنائية، والتي تحد من إمكانية تبليغ جمعيات المجتمع المدني عن جرائم المال العام، معتبرا أن هذه الإجراءات تتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، كما تضيق من هامش تحرك النيابة العامة في ملفات الفساد.
واعتبر المتحدث أن أخطر مؤشر على غياب الإرادة السياسية يتمثل في السحب النهائي لمشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، الذي ظل معروضا على البرلمان منذ سنة 2016 ضمن مراجعة القانون الجنائي، قبل أن يتم سحبه من طرف وزارة العدل الحالية.
وشدد على أن تجريم الإثراء غير المشروع أصبح ضرورة قانونية ومؤسساتية لمواجهة الفساد المزمن، داعيا إلى اعتماد آليات فعالة لمراقبة التصريح بالممتلكات، مع الإبقاء على العقوبات الزجرية وربطها بمصادرة الأموال والممتلكات غير المبررة، بما يضمن فعالية الردع وحماية المال العام.
وفي ختام الندوة، عبرت “ترانسبرانسي المغرب” عن أسفها لسحب المشروع من البرلمان، معتبرة أن هذه الخطوة لا تعكس فقط تعطيل مسار تشريعي مهم، بل تكرس أيضا حالة التراخي الرسمي في مواجهة الفساد، وتبعث برسائل سلبية بشأن جدية الدولة في محاربة اقتصاد الريع واستغلال النفوذ.





