‏آخر المستجدات‏المرأة وحقوق الانسان

تقرير ميزانية النوع الاجتماعي يكشف تعثر إدماج النساء في سوق الشغل رغم التقدم التعليمي

كش بريس/التحرير ـ

كشف تقرير «الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع»، المرفق بمشروع قانون المالية، عن مفارقة بارزة في مسار تمكين النساء بالمغرب؛ فالتقدم المسجل في التعليم والتكوين وتأهيل الكفاءات النسائية لم يواكبه تحسن مماثل في فرص الولوج إلى سوق الشغل، كما لم ينجح في ضمان إدماج مهني مستقر ومنصف، يوفر الأجور المناسبة والحماية الاجتماعية.

وأوضح التقرير أن المكاسب المحققة خلال العقود الأخيرة في مجال تعليم النساء وتوسيع قاعدة الكفاءات المتاحة لم تتحول بعد إلى استثمار اقتصادي يتناسب مع حجم هذا التطور. فما تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي محدودة، فيما ترتفع معدلات البطالة في صفوفهن، ويظل حضورهن المهني محكوماً، في حالات كثيرة، بهشاشة التشغيل وضعف الأجور ومحدودية التغطية الصحية والاجتماعية.

وتكشف هذه الوضعية عن استمرار فجوة بين تأهيل النساء وقدرتهن الفعلية على تحويل مؤهلاتهن إلى فرص عمل لائقة. فبالرغم من تنامي الرأسمال البشري النسوي، لا تزال عراقيل بنيوية واجتماعية تحول دون توظيفه بصورة كاملة، بما ينعكس على الإنتاجية وإمكانات النمو الاقتصادي، ويحد من فرص تطوير المبادرات المقاولاتية النسائية القادرة على الاستمرار.

معيقات اجتماعية وبنيوية تعرقل الاندماج المهني

وبحسب التقرير، لا يمكن تفسير ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء بمجرد محدودية الكفاءات أو الطموحات الفردية، إذ ترتبط الظاهرة بجملة من العوامل المتداخلة، تشمل طبيعة الطلب على اليد العاملة، وتكاليف الولوج إلى الشغل، ونقص خدمات رعاية الأطفال، وصعوبات التنقل، وشروط السلامة والأمن، فضلاً عن المعايير الاجتماعية التي تؤثر في اختيارات الأسر وفي ممارسات المشغلين.

وتتحمل النساء، في هذا السياق، أعباء منزلية ورعائية تؤثر في إمكانات اشتغالهن واستمرارهن في الحياة المهنية، خصوصاً في ظل محدودية الخدمات التي تساعد على التوفيق بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات العمل. كما تسهم الصور النمطية الاجتماعية في تضييق الخيارات المهنية المتاحة أمامهن، وتحد من استفادتهن من فرص التشغيل والترقي.

أرقام تكشف اتساع فجوة الشغل بين النساء والرجال

وتبرز المؤشرات الواردة في التقرير حجم الاختلالات التي تطبع وضعية النساء في سوق الشغل المغربي. فقد استقر معدل نشاط النساء عند 19 في المائة خلال سنة 2025، بينما بلغ معدل البطالة في صفوفهن 20.5 في المائة. وفي القطاع الخاص بالوسط الحضري، يصل الفارق في الأجور بين النساء والرجال إلى 43 في المائة، بما يعكس استمرار التفاوت في العائدات المهنية.

ولا تتجاوز نسبة النساء المصرح بهن ضمن مجموع الأجراء 32 في المائة، فيما تبلغ نسبة النساء النشيطات المشتغلات غير المستفيدات من التغطية الصحية 60 في المائة. وعلى مستوى المبادرة الاقتصادية، لا تتعدى نسبة المقاولات التي تتولى النساء تسييرها 15.6 في المائة، وهو مؤشر يبرز محدودية حضورهن في تدبير المشاريع والمقاولات.

وتؤشر هذه المعطيات، مجتمعة، إلى أن التحدي لا يرتبط بإدخال النساء إلى سوق الشغل فحسب، وإنما يمتد إلى طبيعة الوظائف المتاحة لهن، ومستوى الأجور، والاستقرار المهني، ومدى استفادتهن من الحماية الاجتماعية، فضلاً عن فرص الوصول إلى مواقع المسؤولية وتطوير المشاريع الاقتصادية.

الوضع العائلي ودخل الزوج ضمن محددات النشاط الاقتصادي

ويرصد التقرير كذلك ارتباط مشاركة النساء في سوق الشغل بوضعهن العائلي، إذ يسجل معدل النشاط مستويات أعلى لدى العازبات والمطلقات والأرامل مقارنة بالنساء المتزوجات. كما يشير إلى تأثير دخل الزوج في قرار الالتحاق بالعمل، في سياق تتداخل فيه الالتزامات الأسرية مع الإمكانات الاقتصادية المتاحة أمام النساء.

وتسلط هذه المؤشرات الضوء على الأثر الذي تمارسه البنية الأسرية وتوزيع المسؤوليات المنزلية في المسارات المهنية للنساء، خصوصاً عندما تصبح الرعاية غير المؤدى عنها عاملاً يحد من فرص العمل أو يدفع إلى الانقطاع عنه.

ربات البيوت والشباب خارج منظومات العمل والتعليم والتكوين

وفي ما يتعلق بالشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، يشير التقرير إلى أن هذه الفئة تمثل 70 في المائة من مجموع الأشخاص غير النشطين. كما تشكل ربات البيوت 85 في المائة من هؤلاء الشباب غير النشطين، و59.5 في المائة من إجمالي فئة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب.

وتبرز هذه الأرقام حجم التداخل بين عدم النشاط الاقتصادي والمسؤوليات المنزلية، كما تطرح تحدياً أمام السياسات العمومية المعنية بالتشغيل والتكوين والتمكين الاقتصادي للنساء. فاستمرار هذه الوضعية يعني أن جزءاً مهماً من الطاقات البشرية يظل خارج دورة الإنتاج، رغم ما راكمته النساء من مؤهلات تعليمية وتكوينية.

وتعيد الخلاصات التي يقدمها التقرير طرح مسألة الانتقال من توسيع فرص التعليم والتكوين إلى توفير شروط الاندماج الاقتصادي الفعلي، عبر معالجة التفاوتات في الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير خدمات رعاية الأطفال، وتحسين شروط العمل والتنقل، وتعزيز فرص المبادرة المقاولاتية النسائية. وهي تحديات تجعل المساواة في سوق الشغل مرتبطة بقدرة السياسات العمومية على معالجة الأسباب البنيوية التي تفصل بين اكتساب الكفاءات وإمكانية توظيفها في عمل لائق ومستقر.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button