
أثبتت أحداث المنطقة في العقدين الماضيين، وذروتها الحرب الحالية على إيران، الأهمية المتصاعدة لدور الإعلام الذي يكاد يوازي دور السلاح. كما ازداد وضوحاً أن الحديث عن حياد وسائل الإعلام لم يعد وارداً، فهي في النهاية تعبّر عن رأي مالكها وتوجّهاته، وتبذل جهدها لإيصال رسائله. لذلك، فإنّ التقييم الحقيقي لوسيلة الإعلام تكون في مدى مهنيتها، وفي “ذكائها” في رفع نسبة مشاهديها، وذلك الذكاء يُحسب لقناة “الجزيرة” عندما نتحدّث عن برنامج “نقاش الساعة” الذي تقدّمه هذه الأيام.
تتعقّد الأمور في الحكم على وسائل الإعلام أكثر، عندما ندرك أن صفة عدم الحياد لا تنطبق على وسيلة الإعلام فقط، بل على المشاهد أيضاً. فهو يجلس، خاصة في برامج الحوار، منتظراً سماع فكرة تروق له، ونقطة تُسجّل لصالح المحاور الذي يقف معه، ومتربّصاً بالمحاورين الآخرين، وبالتالي فإنه يرضى أو لا يرضى عن وسيلة الإعلام حسب أداء المحاورين واتجاهات النقاش، لذلك فإن مواقفه من وسيلة الإعلام تكون بالعادة متأرجحة بين الصعود والهبوط.
في الإعلام المرئي، تلعب الصورة دوراً كبيراً ربما يفوق دور الأفكار المطروحة. وفي برامج الحوار، كثيراً ما يشكّل المشهد الفكرة الأولى والانطباع الأول الذي يطغى لدى المشاهد على كل ما يليه، وهذا بتقديري يتّضح كثيراً عند الحديث عن برنامج “نقاش الساعة” الذي تقدّمه “الجزيرة”، والذي أحاول الحديث عن انطباعاتي عنه، واستنتاجاتي منه، وتساؤلاتي حوله، وذلك في حدود المرات غير الكثيرة التي شاهدتها، وهي التي بالتأكيد، تبقى أقرب إلى الانطباعات والاستنتاجات الأولية، التي من البديهي أن تختلف من شخص لآخر.
يُطِلّ المشهد عادة على مجموعة من المحاورين يتغيّرون أحياناً، أو يتغيّر بعضهم، من حلقة لأُخرى، لكنّ الحلقات التي صدف أن شاهدتها تكوّنت من ستة أو سبعة مشاركين من المثقّفين غير الرسميين، منهم إيراني واحد كان في كل تلك الحلقات، حسن أحمديان، الذي كما يبدو من وسائل التواصل الاجتماعي أنه حاز على إعجاب الكثيرين، وأربعة أو خمسة من العرب، وأميركي.
في الصورة إيراني واحد بدا ذكياً ومطّلعاً وأنيقاً وملتزماً بآداب الحوار، وأربعة أو خمسة من العرب ظهروا، بدرجات متفاوتة، أقلّ ذكاء واطّلاعاً وأناقة وأقل التزاماً. ليعذرني القارئ وأصحاب الشأن، فأنا أتحدّث عن الصورة التي لا تعكس بالضرورة حقيقة الأشياء. وأميركي يأخذك المشهد غالباً بعيداً عنه، لدرجة لا تكاد تراه وتسمعه وتهتم بما قال أو سيقول، وهذا أيضاً ليس انتقاصاً منه، ولا من أهمية مَن يمثّل، لكنّ المشهد يأخذك -أو أخذني- هكذا. ومقدّم البرنامج، الذي يبدو على الأغلب مهنياً، يحصر “الصراع” ويضبط الإيقاع.
الإيراني الواحد والوحيد، يمثّل وجهة نظر بلده بحرفيّة، ويصفها كدولة تعرّضت لعدوان إسرائيلي أميركي، ويؤكّد عدم رضوخها لذلك العدوان. يشعرك أنه “قنّاص” يطلق “رصاصة” (كلمة) واحدة على الهدف فيصيبه، ولا يحتاج إلى رصاصة أخرى. أمّا الأربعة أو الخمسة العرب، فلا تبدو لديهم وجهة نظر واحدة، وأحياناً لا تبدو لديهم وجهة نظر من الأساس، غير “مناكفة” الإيراني. ليست لهم علاقة بـ”القنص” بل يظهرون متخصّصين في القصف “العشوائي”، يطلقون كل “الرصاص” ونادراً ما يصيبون الهدف، وإن حصل ذلك فغالباً ما يكون في مرماهم هم.
عندما ترى إيرانياً همّه فلسطين والمنطقة والعدوان الإسرائيلي الأميركي، ومجموعة العرب همّها إيران، تخرج بنتيجة أن فلسطين وقضيتها باتتا شأناً إيرانياً لا علاقة للعرب به
بهذه الحرفية وهذا السلوك، وقف الإيراني الوحيد أمام الأربعة أو الخمسة العرب. بتلك الحرفية وذاك السلوك أيضاً، وبغضّ النظر عن ما يُقال من كلام، وحتى دون أن يسمع المشاهد شيئاً أو ينظر في فكرة، يجد نفسه متضامناً مع “الإيراني” ومتمنّياً له “السلامة”، إذ كثيراً ما تشعر كمشاهد كم هو ضروري وجود مقدّم البرنامج، ليس فقط من أجل القيام بوظيفته الأساسية، بل أيضاً من أجل الحيلولة دون ذهاب “التراشق” بالكلمات إلى مستويات أخرى.
موضوع “الواحد” الإيراني، والواحد الأميركي، وعدد من العرب، رغم أنه مفهوم من زاوية تعدّد البلدان العربية، لكنه في الوقت نفسه يحمل، أو قد يحمل، معنىً مهيناً للعرب، عندما يذهب (يشطح) العقل (والعقل يشطح أحياناً) إلى ميزان المفاضلة، ويُفهم الأمر على أن الإيراني الواحد يعادل “كمّية” من العرب. كان من الأفضل برأيي لو تمّ الاكتفاء بعربي واحد أو اثنين بحيث يحمل كل منهما وجهة نظر مختلفة.
عندما ترى إيرانياً واحداً يتبنّى سردية دولته، ولا ترى آخر يتبنّى سردية مخالفة. ثم ترى مجموعة من العرب تتبنّى كلها السردية المناهضة لإيران ـــــ مع أن ذلك لا يعبّر تماماً عن الموقف الرسمي العربي، إذ تختلف دول عن أخرى في مواقفها ـــــ ويتم غياب أو تغييب المثقف العربي المؤيّد للموقف “الإيراني”، أو الداعم له، أو المتفهّم له على الأقل، تجد نفسك أمام مشهد مُربِك، أقرب لأن يكون صراعاً (كباشاً) إيرانياً – عربياً، الغائب أو (المُغيّب) فيه هو المعتدي الحقيقي، إسرائيل وأميركا، والضحية الأساسية والأكبر فلسطين، الجوهر الحقيقي للصراع.
لا يظهر في المشهد ما يشير إلى الصراع الحقيقي في المنطقة؛ العدوان الإسرائيلي الأميركي على غزة ولبنان وإيران والعراق وسوريا واليمن وكل “الشرق” من جهة، والشعوب والمقاومة وإيران الذين يتصدّون لذلك العدوان من جهة أخرى، وأيّ سلبيات تنتج خلال ذلك هي بالتأكيد آثار جانبية للصراع الأساسي، من المهم أن تُعالج، لكن من المحظور أن تُعامل على أنها أساس المشكلة.
عندما يظهر المشهد وكأنه صراع عربي إيراني أو فارسي، ويتم غياب أو تغييب المثقّف العربي المؤيّد للتصدّي للعدوان، والمؤيّد لفلسطين التي ظهر “المثقّف” الإيراني وكأنه الوحيد الذي يتبنّى قضيّتها، ويدافع عن موقف بلده في الوقوف إلى جانبها، هذا فيه ظلم كبير لغالبية المثقّفين العرب والشعوب العربية، التي انحازت وتنحاز إلى فلسطين بأغلبيتها الساحقة، وتتشبّث بعروبتها في الوقت نفسه.
إنّ وصول المشهد إلى وضع يُظهِر أنّ المثقّف أو الإنسان العربي عموماً، إذا كان مع المقاومة وضد إسرائيل وأميركا فهو خارج عن عروبته، هو مشهد غير حقيقي، بل مقلوب تماماً. فالوقوف ضد العدوان، هو الموقف العروبي التاريخي الذي اعتادت الشعوب العربية أن تعيشه منذ بدأت قضية فلسطين، وقضية العروبة.
لو كان بين المثقّفين العرب الأربعة أو الخمسة، مثقّف واحد يتبنّى موقف المقاومة، الذي هو في هذه الحالة موقف الإيراني، ويرفض العدوان الإسرائيلي الأميركي على المنطقة، لانقلب المشهد من الأساس، من صراع “هويات” (عربي – إيراني) إلى صراع مواقف وأفكار مع فلسطين أو ضدّها. هكذا يكون الوضع أكثر تمثيلاً وأكثر مصداقية وتعبيراً عن الواقع. أو كان بالإمكان الابتعاد عن كل هذا الإشكال لو كان المشاركون في “النقاش” سياسيين رسميين ممثّلين لدول وليسوا مجرّد مثقّفين. لقد أخفى المشهد كلياً الحدود بين المثقّف العربي والنظام، وهذا مُجحِف نوعاً ما بحقّ المثقّفين.
كل الذي قلته هو وصف للمشهد كما رأيته، قبل الوصول إلى الأفكار التي تتولّد في الذهن بعد رؤية كامل المشهد، وسماع الحوار والحجج والأفكار التي تطرحها الأطراف، أو بالأحرى يطرحها الطرفان.
بعد اكتمال المشهد، قد تتولّد في ذهن المشاهد أفكارٌ تعكس وضعاً لا يعبّر عن واقع الأشياء، ومغلوطة بالتأكيد، فعندما ترى إيرانياً همّه فلسطين والمنطقة والعدوان الإسرائيلي الأميركي، ومجموعة العرب همّها إيران، تخرج بنتيجة أن فلسطين وقضيتها باتتا شأناً إيرانياً لا علاقة للعرب به، ولا شأن للمثقّف العربي بالمقاومة، وأنّ عليك أن تختار بين المقاومة والعروبة. قد يكون في ذلك ذهاب أبعد من “اللازم” لاستنتاج أبعاد المشهد، لكنه برأيي يقترب من ذلك أو يكاد.
إذا وصل المشهد إلى هذه الصورة، وآمل أن لا يصل، سيكون ذلك إساءة للتاريخ العربي والفلسطيني المقاوم، وللتضحيات التي بُذلت عبر قرن من الزمان، وتجنياً على غزة وفلسطين ولبنان والعرب وكلّ الذين رفضوا الاحتلال وانتصروا لفلسطين.
* أكاديمي فلسطيني مقيم في رام الله





