
كش بريس/خاص ـ
تتسع دائرة الأسئلة حول الطريقة التي يجري بها تدبير واستثمار الثروات النباتية المغربية ذات القيمة الاقتصادية العالية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنتجات طبيعية نادرة تتحول، في الأسواق العالمية، إلى مكونات فاخرة تدخل في الصناعات التجميلية والصيدلانية والغذائية.
وبعد الجدل المتكرر حول القيمة المضافة لزيت الأركان، الذي أصبح اسماً تجارياً عالمياً تتنافس عليه الشركات والعلامات الدولية، يبرز زيت بذور التين الشوكي كمنتج مغربي آخر شديد الندرة ومرتفع القيمة، وسط تساؤلات مشروعة حول المستفيد الحقيقي من هذه الثروة: هل الفلاح والتعاونية والنساء العاملات في القرى والمناطق الهشة، أم الوسطاء والشركات التي تمتلك القدرة على التصنيع والتسويق والتصدير؟
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد زيت نباتي آخر، وإنما بسلسلة اقتصادية تبدأ من ثمرة تنبت في الأراضي المغربية، وتنتهي بمنتج فاخر يباع في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة، فيما تظل القيمة التي تعود إلى المنتجين المحليين بحاجة إلى مزيد من الشفافية والتدقيق.

من ثمرة بسيطة إلى «ذهب أخضر»
زيت بذور التين الشوكي من أكثر الزيوت النباتية ندرة، لأن استخراجه يتطلب كميات ضخمة من الثمار مقارنة بالكمية النهائية المنتجة. وتشير المعطيات المتداولة في القطاع إلى أن إنتاج لتر واحد من الزيت قد يتطلب نحو طن من الثمار، وما يقارب 30 كيلوغراماً من البذور، وهو ما يفسر ارتفاع سعره وقيمته في الصناعات التجميلية.
وتبدأ رحلة هذا المنتج من عمليات جمع الثمار وفرزها وإزالة اللب وفصل البذور وغسلها وتجفيفها، قبل أن تخضع البذور للاستخلاص الميكانيكي، غالباً بالعصر البارد، بهدف الحفاظ على مكوناتها الطبيعية.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية: المادة الأولية موجودة في الأرض المغربية، واليد العاملة التي تتولى جزءاً كبيراً من العمليات الأولية تنتمي إلى المناطق القروية، بينما ترتفع القيمة التجارية للمنتج بصورة كبيرة بعد انتقاله إلى مرحلة التصنيع والتعبئة والعلامة التجارية والتسويق الخارجي.

النساء في البداية.. والشركات في نهاية السلسلة؟
توجد بالفعل تعاونيات مغربية تنتج زيت بذور التين الشوكي وتسوقه محلياً ودولياً. وتظهر منصات رسمية لتسويق المنتجات المجالية وجود عدد من التعاونيات التي تعرض هذا الزيت، كما أن بعض التعاونيات النسائية راكمت خبرة في إنتاج الزيوت الطبيعية وتسويقها خارج المغرب.
لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح بوضوح هو: إلى أي حد تحصل هذه التعاونيات والنساء والفلاحون الذين يوفرون المادة الأولية على نصيب عادل من القيمة النهائية للمنتج؟
فحين يباع الزيت المغربي في قنوات التصدير بالجملة، وتظهر عروض تجارية سابقة بأسعار وصلت إلى نحو 3500 درهم للتر، يصبح من الضروري معرفة كيف تتوزع تلك القيمة بين الفلاح، والتعاونية، ووحدة التحويل، والمصدر، والوسيط، والعلامة التجارية الأجنبية.
وهذه ليست مسألة تجارية هامشية؛ إنها قضية مرتبطة بالعدالة الاقتصادية وبالسيادة على الموارد المحلية.

أين تنتهي الثروة المغربية وأين تبدأ الأرباح الخارجية؟
المشكلة الأكثر إثارة للقلق لا تكمن في تصدير زيت التين الشوكي في حد ذاته. فالتصدير يمكن أن يكون رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي، وأن يفتح الأسواق أمام المنتجات المغربية ويخلق فرصاً للشغل والاستثمار.
المعضلة تبدأ عندما يتحول المغرب إلى مجرد مورد للمادة الخام أو الزيت الأولي، بينما تُنجز المراحل الأكثر ربحية خارج البلاد: العلامة التجارية، البحث والتطوير، تركيب مستحضرات التجميل، التسويق الدولي، وشبكات التوزيع.
عندها تصبح الأرض المغربية منتجة للمادة، واليد العاملة المغربية جزءاً من سلسلة الإنتاج، لكن القسم الأكبر من القيمة الاقتصادية يهاجر مع المنتج إلى الخارج.
وتوجد اليوم شركات مغربية تعلن صراحة عن إنتاج وتصدير زيت بذور التين الشوكي إلى الأسواق الدولية، كما توجد شركات تقدم الزيت بكميات كبيرة وبحلول العلامة الخاصة، أي أن المنتج المغربي يمكن أن يدخل في منتجات تحمل أسماء وعلامات تجارية أخرى خارج البلاد.

وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى السؤال عن القيمة المضافة التي يحتفظ بها المغرب داخل حدوده.
من يحمي القيمة المضافة؟
إذا كان المغرب يمتلك المادة الأولية، والخبرة التقليدية، والموارد الطبيعية، والتعاونيات، واليد العاملة، فلماذا لا تتحول هذه العناصر إلى منظومة صناعية وطنية متكاملة تجعل من زيت التين الشوكي ومنتجاته النهائية صناعة مغربية ذات علامة عالمية؟
ولماذا لا يحصل الشباب في المناطق القروية على فرص حقيقية للاستثمار في وحدات صغيرة ومتوسطة للاستخلاص والتعبئة والتثمين؟
ولماذا لا تُمنح التعاونيات الفلاحية البسيطة إمكانات أكبر للوصول إلى التكنولوجيا والتمويل والأسواق الخارجية، بدل أن تظل في كثير من الأحيان محصورة في الحلقة الأولى من السلسلة؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك اليوم المعلومات الدقيقة حول حجم الإنتاج المغربي من زيت بذور التين الشوكي، وحجم الكميات المصدرة، وقيمتها المالية، والجهات المستفيدة منها، والأسواق التي تتجه إليها؟

ثروة نادرة تحتاج إلى شفافية لا إلى وسطاء
لا يكفي أن يقال إن المغرب ينتج زيتاً فاخراً أو أن هذا الزيت مطلوب في الأسواق العالمية. المطلوب هو نشر معطيات واضحة حول هذه السلسلة الاقتصادية، من الحقل إلى السوق الدولية.
فالمستهلك المغربي، والفلاح، والتعاونية، والباحث، والصحافي، وحتى المستثمر الوطني، من حقهم معرفة حجم هذه السوق، وعدد الوحدات العاملة فيها، وحجم صادراتها، والأسعار التي تباع بها المنتجات المغربية، ونسبة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
كما أن وجود تعاونيات ناجحة في هذا المجال يثبت أن الباب ليس مغلقاً بالضرورة أمام المنتجين المحليين؛ فقد استطاعت تعاونيات نسائية مغربية بالفعل إنتاج وتسويق زيت التين الشوكي، وبعضها وصل إلى الأسواق الدولية.
لكن التجارب الفردية لا تكفي لصناعة قطاع قوي. المطلوب سياسة عمومية واضحة تجعل من تثمين النباتات والمنتجات المحلية جزءاً من استراتيجية صناعية وفلاحية، لا مجرد مبادرات متفرقة.

من «ثروة طبيعية» إلى صناعة وطنية
زيت بذور التين الشوكي غني بمكونات تجعله مطلوباً في مستحضرات العناية بالبشرة، ومنها فيتامين E والأحماض الدهنية الأساسية ومركبات مضادة للأكسدة، ولذلك يتم تسويقه بوصفه مكوناً فاخراً في مستحضرات العناية والتجديد ومكافحة علامات الشيخوخة. وتعرض شركات مغربية عاملة في المجال هذه الخصائص ضمن منتجاتها الموجهة للأسواق الدولية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الثروة لا ينبغي أن تتوقف عند بيع الزيت الخام.
المغرب قادر، نظرياً، على الانتقال من تصدير الزيت إلى إنتاج مستحضرات تجميل مغربية متكاملة، وتطوير علامات تجارية وطنية، وإنشاء مختبرات للبحث والتطوير، وتسجيل المنتجات والعلامات والمؤشرات الجغرافية، وفتح قنوات مباشرة أمام التعاونيات والشباب نحو الأسواق العالمية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي: هل نريد أن نصدر الثروة الطبيعية، أم أن نصنع حولها ثروة صناعية مغربية؟

من يملك القرار في ثروات الأرض؟
الأسئلة التي تطرحها قضية زيت التين الشوكي تتجاوز هذا المنتج بعينه. إنها تعيد فتح النقاش حول نموذج تثمين الموارد المحلية في المغرب: من يملك المعرفة؟ من يمتلك التكنولوجيا؟ من يسيطر على قنوات التصدير؟ ومن يحصل في النهاية على الحصة الأكبر من القيمة؟
ليس المطلوب إغلاق الباب أمام الاستثمار الأجنبي أو محاصرة الشركات المغربية التي تعمل في التصدير، وإنما ضمان أن يكون الاستثمار جزءاً من منظومة عادلة وشفافة تعود بالنفع على المنتجين والمناطق التي تحتضن هذه الموارد.
فإذا كانت ثمرة التين الشوكي تنبت في أرض مغربية، وإذا كانت البذور تجمع بأيدي نساء وفلاحين مغاربة، وإذا كان الزيت يستخرج داخل المغرب، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تكون العلامة والقيمة الصناعية والمعرفة والسوق أيضاً مغربية؟
وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام نموذج متكرر: موارد محلية نادرة، يد عاملة ريفية رخيصة، منتجات تحمل هوية مغربية، ثم قيمة اقتصادية كبرى تعبر الحدود، بينما تبقى المناطق المنتجة تنتظر نصيبها من التنمية.

إن التحدي الحقيقي ليس في اكتشاف قيمة التين الشوكي، فقد اكتشفها العالم. التحدي هو أن يكتشف المغرب قيمة ما يملك، وأن يمتلك الأدوات التي تمنعه من تحويل ثرواته الطبيعية إلى مجرد مواد أولية في اقتصاد الآخرين.




