‏آخر المستجداتفنون وثقافة

في أفق التجريب وبناء الرؤية الجمالية في السرد عند سعيد رضواني

بقلم نورالدين طاهري 

يؤسس سعيد رضواني تجربته السردية على وعي عميق بأن الكتابة ليست استنساخا للواقع، بل إعادة خلق له، وأن النص الأدبي لا يكتفي بأن يحكي ما يحدث، وإنما يبحث عما يتوارى خلف الأحداث من أسئلة الإنسان وقلقه وأسئلته المؤجلة. لذلك جاءت تجربته القصصية والروائية مشدودة إلى أفق التجريب، لا بوصفه تمرينا شكليا أو مغامرة تقنية، بل باعتباره رؤية للعالم وطريقة في مساءلة الوجود عبر اللغة والخيال.

ينتمي رضواني إلى جيل أدبي تشكل في سياق تحولات عميقة عرفها المشهد الثقافي المغربي والعربي، وهو جيل أدرك أن الأشكال السردية التقليدية لم تعد كافية لاحتضان تعقيدات الإنسان المعاصر. لقد أصبح الواقع أكثر تشظيا، والهوية أكثر قلقا، والذاكرة أكثر عرضة للتبدد، مما فرض على الكتابة أن تبحث عن أدوات جديدة تستوعب هذا التحول. ومن هذا المنطلق اختار رضواني أن يجعل من النص فضاء مفتوحا على الاحتمال، وأن يحول السرد من مجرد بناء حكائي إلى تجربة معرفية وجمالية.

لا يكتب سعيد رضواني الحكاية باعتبارها غاية نهائية، بل باعتبارها مدخلا إلى ما هو أعمق؛ إلى مناطق الوعي الخفية، وإلى التوترات الداخلية التي تحكم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالزمن. فشخصياته ليست مجرد كائنات تتحرك داخل الأحداث، بل ذوات مأزومة تحمل أسئلتها معها، وتبحث عن معنى وسط عالم لا يقدم يقيناته بسهولة.

لقد أسهم تكوينه الثقافي والمهني في تشكيل هذه الحساسية الخاصة؛ فالعمل الصحفي منحه قدرة دقيقة على ملاحظة التفاصيل والتقاط الجزئيات الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنه استطاع عبر الأدب أن يعيد صياغتها داخل أفق رمزي يتجاوز الواقع المباشر. فالحدث اليومي عنده لا يبقى حدثا عاديا، بل يتحول إلى علامة تكشف عن طبقات أعمق من التجربة الإنسانية.

وتبدو علاقة رضواني بالكتابة أقرب إلى علاقة الصانع بمادته؛ فهو لا يتعامل مع اللغة باعتبارها وسيلة جاهزة، وإنما باعتبارها عالما يحتاج إلى تشكيل دائم. لذلك تتسم نصوصه بعناية واضحة في بناء الجملة، وانتقاء المفردة، وصناعة الإيقاع الداخلي، حيث تصبح اللغة شريكا في إنتاج الدلالة وليست مجرد وعاء للحكاية.

وتتسع مرجعياته الإبداعية لتشمل تجارب أدبية وفكرية متعددة. فقد أفاد من الأدب العالمي في بناء الحساسية السردية الحديثة، ومن الأدب الروسي في تعميق النظر إلى النفس البشرية وصراعاتها الداخلية، ومن أدب أمريكا اللاتينية في توسيع أفق المتخيل والانفتاح على العجائبي والغرائبي. كما يحضر التراث العربي والفلسفي والصوفي باعتباره خزانا للأسئلة الكبرى حول الإنسان والمعرفة والوجود.

غير أن أهمية هذه المرجعيات لا تكمن في حضورها المباشر داخل النص، بل في الطريقة التي يعيد بها الكاتب تمثلها وصهرها داخل رؤية خاصة. فهو لا يقلد تجارب الآخرين، وإنما يحاورها ليبني صوته الخاص، صوتا يجمع بين التأمل الفلسفي والحساسية الشعرية والوعي بجماليات السرد.

ومن هنا يمكن فهم التجريب عند سعيد رضواني باعتباره جوهر مشروعه الإبداعي. فالتجريب لديه ليس خروجا من الشكل المألوف بحثا عن الإدهاش فقط، بل هو محاولة للعثور على الشكل الأكثر قدرة على التعبير عن عالم متغير. ولذلك تتداخل في نصوصه الأزمنة، وتتجاور الأصوات، وتتحول الذاكرة إلى فضاء لإعادة بناء الحاضر، ويصبح الخيال وسيلة لاكتشاف حقيقة الواقع لا للهروب منه.

لقد اختار رضواني أن يجعل من القصة القصيرة مختبرا أوليا لهذا البحث الجمالي، فعمل على تفجير إمكاناتها التعبيرية، وتحويلها من مجرد لحظة حكائية قصيرة إلى فضاء كثيف تتقاطع فيه الفكرة والصورة والرمز.

تتجسد هذه الرؤية التجريبية بوضوح في مجموعاته القصصية التي شكلت مراحل متدرجة في بناء عالمه السردي، حيث لا تبدو كل مجموعة عملا منفصلا عن سابقاتها، بل حلقةت في مسار إبداعي متنام، ينتقل فيه الكاتب من سؤال الذات إلى سؤال الوجود، ومن تأمل الداخل الإنساني إلى مساءلة المصير الجماعي.

ففي مجموعة “مرايا”، يؤسس سعيد رضواني لجماليات تقوم على فكرة الانعكاس والانقسام والتعدد. فالمرآة ليست مجرد عنوان دال، بل مفتاح قرائي يكشف طبيعة الاشتغال الفني داخل النصوص. إنها رمز للذات وهي تواجه صورها المتعددة، وللإنسان وهو يحاول القبض على حقيقة تتشظى كلما اقترب منها.

لا تقدم نصوص “مرايا” العالم في صورته المكتملة، بل تعيد تشكيله عبر زوايا نظر مختلفة، حيث يتحول الواقع إلى مادة قابلة للتأويل، وتصبح التفاصيل الصغيرة منافذ على أسئلة كبرى. فالشخصيات لا تعيش داخل أحداث مستقرة، وإنما داخل لحظات من الكشف والقلق، وكأنها تبحث عن ذاتها في فضاء مليء بالانعكاسات المتناقضة.

وتنبني جمالية هذه المجموعة على اقتصاد سردي واضح، حيث يترك الكاتب مساحات واسعة للقارئ كي يشارك في بناء المعنى. فالدلالة لا تأتي جاهزة، بل تتولد من التوتر بين ما يقال وما يظل صامتا، بين الظاهر والمضمر. وهذا ما يمنح النصوص كثافتها، ويجعل القراءة فيها فعلا من أفعال الاكتشاف.

إن “مرايا” تمثل لحظة تأسيسية في مشروع رضواني، لأنها أعلنت عن انحيازه إلى كتابة لا تبحث عن الحكاية في بعدها الخارجي فقط، بل عن أثرها الداخلي، وعن التحولات التي تتركها التجربة في أعماق الإنسان.

أما مجموعة “قلعة المتاهات”، فتأتي بوصفها انتقالا من سؤال الانعكاس إلى سؤال التيه. فإذا كانت المرآة في العمل السابق تكشف تعدد الذات، فإن المتاهة هنا تكشف تعقيد المسار الإنساني، وتضع الشخصية أمام شبكة من الذاكرة والأسئلة والاحتمالات.

المتاهة في عالم رضواني ليست علامة على الضياع فقط، بل هي صورة للبحث. فالإنسان لا يكتشف ذاته إلا عبر المرور بممرات داخلية معقدة، ولا يصل إلى المعنى إلا بعد مواجهة المخاوف والشكوك التي تسكنه. لذلك تصبح المتاهة بنية رمزية تتجاوز المكان لتتحول إلى حالة وجودية.

تشتغل المجموعة على ثنائيات مركزية تكشف عمق الرؤية السردية لدى الكاتب: الحضور والغياب، الذاكرة والنسيان، الماضي والحاضر، الحقيقة والوهم. فالشخصيات تتحرك داخل زمن غير مستقر، حيث يعود الماضي ليعيد تشكيل الحاضر، وتصبح الذاكرة قوة مقاومة ضد المحو والزوال.

غير أن رضواني لا يقدم عالما مغلقا على العتمة، فحتى داخل المتاهة هناك إمكانية للعثور على مخرج. إذ تظل الكتابة نفسها شكلا من أشكال المقاومة، ومحاولة لاستعادة المعنى في عالم يهدده التلاشي.

وتأتي مجموعة “عام الوحش” لتدفع هذا المشروع السردي إلى منطقة أكثر اتساعا وجرأة، حيث ينتقل الكاتب من قلق الذات الفردية إلى قلق الإنسان أمام تحولات العالم الكبرى. إنها مجموعة تحمل وعيا أكثر حدة بتوترات العصر، وتعيد طرح علاقة الإنسان بالخوف والمعرفة والمجهول.

فالوحش في هذه المجموعة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد كائن عجائبي أو صورة خارجية للرعب، بل باعتباره رمزا مركبا لما يهدد الإنسان في داخله وخارجه. إنه الوجه الخفي للقلق، وتجسيد لكل ما يعجز الإنسان عن السيطرة عليه أو فهمه بالكامل.

في “عام الوحش” يتسع فضاء المتخيل، وتزداد العلاقة بين الواقعي والغرائبي تعقيدا. فالغرابة هنا ليست هروبا من الواقع، بل طريقة أخرى لرؤيته. إن الكاتب يستخدم الانزياح والخيال ليكشف عن حقائق لا تستطيع اللغة المباشرة الوصول إليها، ويجعل من العجيب أداة لفهم المألوف.

تكشف هذه المجموعة أيضا عن تطور في وعي الكاتب بوظيفة القصة القصيرة، إذ تصبح القصة فضاء لتقاطع الأدب والفكر، ووسيلة للتأمل في مصير الإنسان داخل عالم تتسارع فيه التحولات. فالسرد لا ينقل الأزمة، بل يعيد إنتاجها جماليا، ويضع القارئ أمام أسئلة تتجاوز حدود الحكاية.

وإذا كانت “مرايا” قد انشغلت بصورة الإنسان أمام ذاته، و”قلعة المتاهات” قد تابعت رحلة الإنسان داخل دهاليز الذاكرة والبحث عن المعنى، فإن “عام الوحش” تنفتح على سؤال أكثر اتساعا: ماذا يبقى من الإنسان حين يواجه قوى تتجاوز قدرته على الفهم والسيطرة؟

هكذا تكشف هذه الأعمال الثلاثة عن تطور داخلي في مشروع سعيد رضواني؛ من التأمل في الذات إلى مساءلة الوجود، ومن الانشغال بالبنية النفسية للفرد إلى استكشاف المخاوف التي تحاصر الإنسان المعاصر. إنها ليست مجرد مجموعات قصصية متجاورة، بل محطات في رحلة إبداعية تبحث باستمرار عن الشكل الأكثر قدرة على احتضان أسئلة الإنسان.

وتتأكد خصوصية الاشتغال الرمزي عند سعيد رضواني حين نقترب من بعض نصوصه القصصية التي تكشف عن قدرة لافتة على تحويل التفاصيل البسيطة إلى علامات مفتوحة على التأويل. فالقصة لديه لا تنغلق داخل حدود الحكاية، بل تتجاوزها نحو طبقات نفسية وفلسفية تجعل من السرد مجالا لاستكشاف أعماق الإنسان وما يختبئ خلف سلوكه الظاهر.

وتعد قصة “حرمان” نموذجا دالا على هذا المنحى، إذ تكشف عن وعي الكاتب بأهمية الرمز في بناء المعنى، وعن قدرته على منح العناصر العادية أبعادا تتجاوز حضورها الواقعي. فالثعبان والسمكة، وهما عنصران مركزيان في النص، لا يظلان مجرد مكونين داخل الحكاية، بل يتحولان إلى إشارتين تحملان توترات نفسية ووجودية تتعلق بالخوف والمعرفة والذاكرة.

فالثعبان لا يحضر بوصفه كائنا مخيفا فقط، وإنما يتخذ بعدا رمزيا يحيل إلى المجهول، وإلى اقتحام ما هو غريب للمجال الآمن، وإلى عودة شيء كان مختفيا في أعماق الوعي. إنه صورة لما يقلق الإنسان حين يواجه ما لا يعرفه، وما يعجز عن إخضاعه للتفسير.

أما السمكة، فتحمل دلالات مختلفة؛ فهي ترتبط بالماء وبالأصل وبفضاء الحياة الأولى، لكنها في سياق النص تتحول إلى علامة على الالتباس بين الواقع والتصور. ومن خلال هذا الالتباس يكشف رضواني عن حقيقة عميقة: فالإنسان لا يخاف الأشياء في ذاتها، بل يخاف صورته عنها، وما يحيط بها من غموض وجهل وتجارب ناقصة.

ومن هنا يكتسب عنوان “حرمان” قوته الدلالية؛ فهو لا يشير فقط إلى فقدان شيء ملموس، بل يحيل إلى حرمان أعمق، هو حرمان المعرفة والتجربة والاقتراب من العالم. فالإنسان الذي يحرم من شيء ما قد يعيد بناءه في مخيلته بصورة مختلفة، وقد يتحول النقص إلى مصدر للخوف أو الوهم. وهذه الفكرة تمنح القصة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود المكان والشخصيات نحو سؤال أوسع حول علاقة الإنسان بما يجهله.

بعد هذا التراكم في مجال القصة القصيرة، انتقل سعيد رضواني إلى فضاء الرواية من خلال عمله “أبراج من ورق”، وهي نقلة لم تكن مجرد انتقال من جنس أدبي إلى آخر، بل كانت امتدادا طبيعيا لمشروع يقوم على بناء العوالم وتوسيع مساحة التأمل في الإنسان والزمن والذاكرة.

في هذه الرواية يتسع النفس السردي، وتتحول التجربة من لحظة قصصية مكثفة إلى بناء روائي متعدد الطبقات. فالرواية لا تعتمد الحكي الخطي البسيط، وإنما تنفتح على تشابك الأصوات والأزمنة، وعلى علاقة معقدة بين ما حدث وما بقي من أثره في الذاكرة.

يحمل عنوان “أبراج من ورق” كثافة رمزية واضحة؛ فالأبراج عادة ما توحي بالعلو والثبات، غير أن ارتباطها بالورق يكشف هشاشتها وقابليتها للانهيار. إنها صورة بليغة لما يبنيه الإنسان في حياته من أحلام ومشاريع وذكريات، وما يبدو قويا في لحظة معينة لكنه يظل معرضا لقوة الزمن والتحولات.

تشتغل الرواية على سؤال الذاكرة باعتبارها مساحة لصناعة الهوية، فالشخصيات لا تتحرك فقط داخل الحاضر، بل تحمل معها أثقال الماضي وآثاره. إن الماضي هنا ليس زمنا منتهيا، بل قوة حاضرة تعيد تشكيل الرؤية إلى الذات والعالم.

وتكمن أهمية الرواية في أنها لا تقدم الذاكرة باعتبارها مخزنا محايدا للأحداث، بل باعتبارها عملية انتقاء وإعادة بناء. فالإنسان لا يعيش فقط ما حدث له، بل يعيش أيضا الطريقة التي يتذكر بها ما حدث. ومن هذه الزاوية تصبح الرواية بحثا في علاقة الإنسان بالحقيقة، وفي المسافة بين الواقع كما وقع والواقع كما يستقر في الوعي.

كما تبرز اللغة في “أبراج من ورق” باعتبارها عنصرا جماليا مركزيا؛ فهي لا تقوم بدور الوسيط بين الكاتب والقارئ فقط، بل تصبح جزءا من عالم الرواية نفسها. فالكلمات تحمل ذاكرة الشخصيات، وتمنح للأحداث أبعادها الرمزية، وتحول السرد إلى تجربة حسية وفكرية في آن واحد.

ولا تنفصل هذه العناية باللغة عن تصور رضواني للكتابة عموما؛ فهو ينظر إلى اللغة باعتبارها المكان الذي يحاول فيه الإنسان مقاومة الزوال. فحين تكتب الذاكرة، وحين تتحول التجربة إلى نص، يصبح الأدب وسيلة لإنقاذ ما يوشك أن يختفي.

إن “أبراج من ورق” تؤكد أن انتقال سعيد رضواني إلى الرواية لم يكن خروجا عن مشروعه القصصي، بل كان تعميقا له. فالقضايا التي شغلته في القصة القصيرة ــ مثل الذاكرة والهوية والهشاشة الإنسانية والبحث عن المعنى ــ تجد هنا فضاء أوسع وأكثر تعقيدا.

تكشف تجربة سعيد رضواني، في مجملها، عن مشروع سردي يقوم على بناء علاقة خاصة بين الشكل والمضمون، بين جمالية التعبير وعمق السؤال. فهو لا ينظر إلى الكتابة باعتبارها ممارسة منفصلة عن الفكر، بل باعتبارها فضاء تتفاعل داخله الرؤية الفلسفية مع الحساسية الأدبية، ويتحول فيه السرد إلى أداة لفهم الإنسان في تعقيداته وتناقضاته.

ومن أبرز سمات هذا المشروع رفضه للكتابة السهلة التي تكتفي بإعادة إنتاج المألوف. فالنص عند رضواني لا يطمئن إلى المعنى الجاهز، ولا يسعى إلى إرضاء القارئ عبر الحكاية المباشرة، بل يضعه أمام تجربة تحتاج إلى التأمل والمشاركة. إنه يراهن على قارئ قادر على الإنصات إلى ما وراء الكلمات، وعلى اكتشاف الطبقات الخفية التي تسكن النص.

ولهذا تبدو الكتابة لديه فعلا من أفعال المقاومة؛ مقاومة النسيان، ومقاومة تسطيح الإنسان، ومقاومة اختزال العالم في إجابات بسيطة. فالأدب في تصوره ليس زينة لغوية، بل محاولة للقبض على ما يفلت من التجربة الإنسانية، وعلى اللحظات التي تهددها سرعة الزمن بالمحو.

وتتجلى قوة مشروعه أيضا في قدرته على الجمع بين الواقعي والمتخيل. فهو لا يغادر الواقع حين يلجأ إلى الرمز أو الغرائبي، بل يعيد اكتشافه من زاوية أخرى. فالخيال عنده ليس بديلا عن الحقيقة، وإنما وسيلة للوصول إليها، لأن بعض جوانب الإنسان والعالم لا يمكن التعبير عنها إلا عبر الانزياح والمجاز.

إن حضور الغرائبي في نصوصه لا يقوم على صناعة العجيب من أجل الإدهاش، بل على كشف الجانب الخفي من المألوف. فما يبدو عاديا في الحياة اليومية قد يخفي وراءه أسئلة وجودية عميقة، وما يبدو مستحيلا في ظاهر الحكاية قد يكون أكثر قدرة على التعبير عن حقيقة الإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية الرموز المتكررة في عالمه السردي: المرآة، والمتاهة، والوحش، والذاكرة، والبيت، والطفولة. إنها ليست مجرد عناصر فنية، بل مفاتيح لفهم رؤية الكاتب إلى العالم. فالمرآة تكشف انقسام الذات، والمتاهة تعبر عن البحث والتيه، والوحش يجسد المخاوف الظاهرة والمضمرة، والذاكرة تصبح ساحة للصراع بين الحضور والغياب.

كما أن الطفولة تحتل مكانة خاصة في مشروعه، لأنها تمثل لحظة الدهشة الأولى، حين يكون العالم مفتوحا على الاحتمالات والأسئلة. غير أن العودة إليها ليست بحثا عن ماض رومانسي، بل محاولة لاستعادة قدرة الإنسان على النظر إلى الأشياء بعين جديدة، قبل أن تغلقها العادة ويثقلها الواقع.

إن هذا البعد الوجودي يجعل من نصوص سعيد رضواني أكثر من مجرد أعمال سردية؛ إنها محاولات لفهم الإنسان في لحظة قلقه، حين يجد نفسه بين ماض لا يغادره ومستقبل لا يعرف ملامحه. فالشخصيات عنده لا تبحث فقط عن حلول لمشكلاتها اليومية، بل تبحث عن معنى وجودها ذاته.

وهنا تتضح القيمة الجمالية والفكرية لمشروعه؛ فهو لا يقدم الأدب باعتباره أجوبة نهائية، وإنما باعتباره فضاء للأسئلة المستمرة. فالنص الجيد ليس هو الذي يغلق المعنى، بل الذي يفتح أمام القارئ إمكانات جديدة للرؤية والتفكير.

لقد استطاع سعيد رضواني، من خلال مجموعاته القصصية “مرايا” و”قلعة المتاهات” و”عام الوحش”، ومن خلال روايته “أبراج من ورق”، أن يبني مسارا إبداعيا متدرجا يكشف عن تطور واضح في الوعي الفني والجمالي. فهو ينتقل من مساءلة صورة الذات، إلى استكشاف متاهات الذاكرة، ثم إلى مواجهة أسئلة الإنسان أمام عالم متغير ومليء بالمخاوف والاحتمالات.

إن هذه الأعمال لا يجمعها فقط اسم الكاتب، بل يجمعها هاجس عميق هو البحث عن الإنسان خلف الأقنعة، وعن الحقيقة خلف الصور، وعن المعنى خلف الفوضى الظاهرة. إنها كتابة تؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد مساءلته.

وفي الأخير، يمكن القول إن تجربة سعيد رضواني تمثل صوتا سرديا متميزا داخل المشهد المغربي المعاصر، لأنها تراهن على العمق بدل الاستسهال، وعلى الجمال بدل الزخرف، وعلى السؤال بدل اليقين المغلق. إنها تجربة تجعل من السرد رحلة في أعماق الذات الإنسانية، ومن اللغة جسرا بين ما نعيشه وما نعجز عن قوله.

فالأدب عند رضواني ليس مرآة تعكس العالم فقط، بل مرآة تكشف ما لا نراه فيه؛ وليس متاهة تقود إلى الضياع، بل طريقا شاقا نحو اكتشاف الذات. ومن هنا تأتي قيمة هذا المشروع الذي يثبت أن الكتابة حين تتحرر من حدود الحكاية التقليدية تصبح فعلا من أفعال المعرفة، ومحاولة دائمة للإنصات إلى الإنسان في صراعه الأبدي مع الزمن والذاكرة والمجهول.

*ناقد مغربي

المصادر:

مؤلفات الكاتب سعيد رضواني 

  مرايا (مجموعة قصصية، 2010)

 – قلعة المتاهات (مجموعة قصصية، 2022)

 – أبراج من ورق (رواية، 2023)

 عام الوحش (مجموعة قصصية، 2026)

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button