‏آخر المستجدات‏تكنولوجيا و ميديا

قانون المالية 2027 يضع السيادة الرقمية أمام اختبار الذكاء الاصطناعي: فرص اقتصادية ومخاطر استراتيجية

كش بريس/التحرير ـ

كشف مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن جملة من الرهانات الاستراتيجية التي يفرضها التوسع المتسارع في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، واضعاً الاقتصاد الوطني أمام معادلة معقدة تتداخل فيها إمكانات تحسين الإنتاجية وتطوير الابتكار مع مخاطر التبعية التكنولوجية واتساع الفوارق الرقمية وتصاعد التهديدات السيبرانية. ويمتد هذا التحدي إلى الأبعاد الاجتماعية والبيئية، في ظل تنامي الطلب على الطاقة والمياه، والحاجة إلى تأهيل الكفاءات الوطنية وبناء منظومة رقمية قادرة على مواكبة التحولات العالمية.

ويبرز المشروع أن التحول الرقمي تجاوز حدود تحديث الخدمات ووسائل الإنتاج، ليصبح عاملاً مؤثراً في بنية الاقتصاد وسوق العمل وعلاقات القوة بين الدول، بما يجعل التحكم في البيانات والبنيات التحتية الحاسوبية والتكنولوجيات المتقدمة جزءاً من معادلة التنافسية والاستقلال الاستراتيجي.

سوق الشغل أمام إعادة تشكيل المهارات والمهن

يرصد المشروع التحولات العميقة التي تحدثها التكنولوجيات القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي في عالم الشغل، حيث تتغير طبيعة الوظائف والمهام المطلوبة، وتتزايد الحاجة إلى مهارات جديدة ترتبط بالتحليل الرقمي والبرمجة والأمن السيبراني. ويستحضر، في هذا السياق، تقديرات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى احتمال تأثر نحو 40 في المائة من الوظائف عالمياً بالذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة.

وتكشف هذه التقديرات عن تحولات تتجاوز مسألة اختفاء بعض المهن أو تقلص الطلب عليها، لتطال توزيع الأدوار داخل المؤسسات، وقيمة المهارات البشرية، وشروط الاندماج في سوق العمل. فالتحدي يرتبط أيضاً بقدرة العاملين على التكيف مع أنماط الإنتاج الجديدة، ومدى استعداد الأنظمة التعليمية والتكوينية لإعداد أجيال تمتلك الكفاءات الضرورية للتعامل مع اقتصاد تتزايد فيه أهمية المعرفة والبيانات.

ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة مراجعة برامج التعليم والتكوين المهني، وتوسيع فرص التكوين المستمر وإعادة التأهيل، وربط التخصصات الجديدة بالتحولات الفعلية في سوق الشغل. كما يطرح هذا المسار سؤال العدالة في توزيع مكاسب التحول الرقمي، حتى لا تتحول الفوارق في امتلاك المهارات إلى مصدر إضافي للإقصاء الاجتماعي والمهني.

حكامة الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق الرقمية

على المستوى التنظيمي، يسلط المشروع الضوء على صعوبة مواكبة التشريعات للتطور المتسارع للتكنولوجيات الرقمية، خصوصاً في ظل تعدد المقاربات الدولية المعتمدة في تأطير استخدامات الذكاء الاصطناعي. وتبرز ضمن هذه الإشكالات حماية المعطيات الشخصية، ومواجهة الانحيازات التي قد تتضمنها الخوارزميات، وتحديد المسؤوليات القانونية عن القرارات التي تنتجها الأنظمة المؤتمتة، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالاستخدامات الأمنية والعسكرية لهذه التقنيات.

وتكتسب هذه القضايا أهمية متزايدة كلما اتسع حضور الأنظمة الذكية في تدبير الخدمات والمعاملات والقرارات التي تمس حياة الأفراد. فغياب قواعد واضحة للمساءلة والشفافية قد يضعف الثقة في المؤسسات الرقمية، ويجعل المواطن عرضة لقرارات يصعب فهم آليات إنتاجها أو الاعتراض عليها.

ويقتضي ذلك تطوير إطار تنظيمي يوازن بين تشجيع الابتكار وضمان الحقوق الأساسية، ويحدد مسؤوليات مختلف المتدخلين، ويعزز حماية الخصوصية والشفافية والمساءلة. كما يستدعي الاستثمار في الخبرات القانونية والتقنية القادرة على تقييم المخاطر ومواكبة التطبيقات الجديدة، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد ظهور آثارها السلبية.

الفجوة الرقمية تهدد تكافؤ الفرص

ويحذر المشروع من استمرار التفاوت في الولوج إلى البنيات التحتية الرقمية والتكنولوجيات المتقدمة، ولا سيما في البلدان النامية والمناطق القروية، حيث تتداخل محدودية التغطية والبنيات الأساسية مع ارتفاع تكاليف الاتصال ونقص الكفاءات الرقمية.

وتزداد خطورة هذه الفوارق مع الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب في كثير من الحالات اتصالاً موثوقاً بالإنترنت، وموارد حاسوبية متقدمة، وإمكانية الوصول إلى بيانات واسعة ومتنوعة. وهو ما يمنح الاقتصادات والمؤسسات الأكثر تجهيزاً فرصاً أكبر للاستفادة من الابتكار، في مقابل احتمال تهميش الفئات والمناطق التي تفتقر إلى هذه الشروط.

ومن ثم، فإن توسيع الولوج إلى التكنولوجيا يظل شرطاً أساسياً لتحقيق الإدماج الرقمي، ويتطلب سياسات عمومية تستهدف تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحسين البنية التحتية، وتعميم التكوين الرقمي، وتيسير استفادة المقاولات الصغيرة والفئات الهشة من الخدمات والتطبيقات الجديدة.

السيادة الرقمية في مواجهة التبعية التكنولوجية

يضع مشروع قانون المالية السيادة الرقمية ضمن الرهانات الاستراتيجية، في سياق دولي تتجمع فيه مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة لدى عدد محدود من الفاعلين، بدءاً من صناعة أشباه الموصلات، مروراً بالبنيات التحتية للحوسبة السحابية، وصولاً إلى النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي.

ويكشف هذا التركز عن اختلال في توزيع القدرة على التحكم في التكنولوجيا وتطويرها، إذ تجد الدول التي تعتمد على الخارج في توفير أنظمتها الرقمية الأساسية نفسها أمام مخاطر مرتبطة بأمن البيانات، واستمرارية الخدمات، وكلفة الولوج إلى الحلول التقنية، فضلاً عن محدودية قدرتها على التأثير في المعايير التي تحكم تطور هذه الصناعات.

وبالنسبة إلى المغرب، يبرز هذا التحدي أهمية بناء قدرات وطنية في تطوير البرمجيات والحلول الرقمية، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وتكوين الكفاءات المتخصصة، وتنويع الشراكات ومصادر التزود بالتكنولوجيا. كما يقتضي الأمر تقوية أمن البنيات التحتية الرقمية، وتطوير حلول ملائمة للحاجات الوطنية، بما يحد من أشكال الاعتماد التي قد تتحول إلى نقاط ضعف استراتيجية.

ولا تنفصل السيادة الرقمية عن القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في شروط استخدامها؛ فامتلاك التكنولوجيا أو استهلاكها لا يكفي وحده لضمان الاستقلالية، ما لم يصاحبه استثمار مستدام في البحث والتطوير، وتراكم للخبرة الوطنية، وقدرة على الابتكار والمشاركة في صياغة المعايير التقنية والتنظيمية.

الأمن السيبراني.. جبهة جديدة لحماية المؤسسات والبنيات الحيوية

ينبه المشروع إلى تنامي المخاطر السيبرانية التي تستهدف الإدارات العمومية والمقاولات والبنيات التحتية الحيوية، بما فيها قطاعات الطاقة والصحة والنقل والخدمات المالية. وتكتسب هذه التهديدات خطورتها من قدرتها على تعطيل الخدمات الأساسية، والإضرار بالمعطيات الحساسة، وتقويض الثقة في الأنظمة الرقمية.

وفي مقابل ذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي أدوات متقدمة لتحليل البيانات ورصد السلوكيات غير الاعتيادية والكشف المبكر عن الهجمات المحتملة. غير أن التقنيات نفسها يمكن أن تُستخدم لتطوير هجمات مؤتمتة، وصياغة رسائل احتيالية أكثر إقناعاً، وتنفيذ حملات تضليل تستهدف الأفراد والمؤسسات.

وتفرض هذه الازدواجية اعتماد مقاربة أمنية متكاملة تتجاوز الحلول التقنية المنعزلة، لتشمل تأهيل الموارد البشرية، وتطوير آليات الاستجابة للحوادث، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وإجراء تقييمات دورية للمخاطر، وتأمين سلاسل التوريد الرقمية. كما تقتضي حماية البنيات الحيوية إدماج الأمن السيبراني في التخطيط الاستراتيجي، باعتباره شرطاً لاستمرارية الخدمات وحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية.

الذكاء الاصطناعي وكلفة الاستدامة البيئية

ويمتد أثر التحول الرقمي إلى الموارد الطبيعية، إذ يرفع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى الطاقة والمياه، بفعل النمو المتسارع لمراكز البيانات والبنيات الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الرقمية وتشغيلها.

ووفق المعطيات التي يستند إليها المشروع، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء نحو 485 تيراواط ساعة سنة 2025، بزيادة سنوية تناهز 17 في المائة، مع توقعات بإمكان تضاعف هذا الاستهلاك بحلول سنة 2030، مدفوعاً بالطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.

وتطرح هذه الأرقام مفارقة بيئية تستحق الانتباه: فالتكنولوجيا التي تتيح تحسين تدبير الموارد ورفع كفاءة الإنتاج قد تفضي، في الوقت نفسه، إلى زيادة الضغط على الطاقة والمياه إذا لم تُصمم بنياتها وتُشغّل وفق معايير الاستدامة.

ويكتسي هذا التحدي أهمية خاصة في البلدان التي تواجه ضغطاً على مواردها المائية، ما يستدعي إدماج الاعتبارات البيئية في التخطيط للبنيات التحتية الرقمية، وتحسين النجاعة الطاقية لمراكز البيانات، وتطوير حلول للتبريد أقل استهلاكاً للمياه، والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة حيثما أمكن ذلك.

من التحول الرقمي إلى بناء القدرة الوطنية

تجمع التحديات التي يعرضها مشروع قانون المالية لسنة 2027 بين أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية وبيئية، وتكشف أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تظل رهينة بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية والكفاءات والابتكار والحكامة وحماية الحقوق.

ويتمثل الرهان بالنسبة إلى المغرب في تحويل الرقمنة إلى رافعة لرفع الإنتاجية وتطوير الخدمات وتعزيز تنافسية المقاولات، مع ضمان توزيع أوسع لمكاسبها، وتقليص الفوارق المجالية، والحد من التبعية التكنولوجية، وتأمين المعطيات والبنيات الحيوية.

ويقتضي بلوغ هذه الأهداف سياسات عمومية تربط الاستثمار التكنولوجي بتطوير البحث العلمي، وإصلاح التعليم والتكوين، ودعم الابتكار المحلي، وإرساء قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اعتماد معايير بيئية تضمن استدامة البنيات الرقمية.

فالمنافسة في الاقتصاد العالمي تتجه، بصورة متزايدة، نحو امتلاك المعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتوجيه استخدامها. ومن هنا، فإن التحدي الذي يطرحه مشروع قانون المالية لا يتعلق بسرعة الانتقال إلى الرقمنة وحدها، وإنما بقدرة المغرب على بناء موقع فاعل داخل الاقتصاد الرقمي، بما يحفظ استقلالية قراره، ويعزز أمنه التكنولوجي، ويجعل الابتكار أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button