
كش بريس/التحرير ـ
لم تعد شبكات الجريمة المنظمة تنظر إلى الحدود الوطنية باعتبارها عائقا أمام أنشطتها، بل تحولت إلى كيانات عابرة للدول تستثمر في تعدد الجنسيات، وتستفيد من تعقيدات الأنظمة القانونية ومسارات التنقل الدولي. وفي المقابل، أصبحت المواجهة الأمنية لهذه الشبكات تستدعي بدورها آليات أكثر تطورا وتنسيقا تتجاوز المقاربة التقليدية. ومن هذا المنطلق تكتسي العمليات الأمنية الأخيرة التي شهدتها مدينتا مراكش وطنجة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب عدد الموقوفين، وإنما بالنظر إلى طبيعة الملفات الجنائية المرتبطة بهم والرسائل الأمنية التي تحملها.
وفي هذا السياق، أسفرت عمليات أمنية منسقة باشرتها مصالح الأمن الوطني بتعاون وثيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عن توقيف أحد عشر شخصا، من بينهم عشرة يحملون جنسيات مزدوجة مغربية وأوروبية، إضافة إلى مواطن فرنسي، كانوا يشكلون موضوع مذكرات بحث وطنية ودولية.
وجرى تنفيذ هذه التدخلات بشكل متزامن بعد إخضاع المعنيين بالأمر لعمليات تنقيط دقيقة عبر قواعد بيانات الشرطة الدولية “الأنتربول”، حيث تبين أن عشرة من الموقوفين مبحوث عنهم بموجب نشرات حمراء صادرة بطلب من السلطات القضائية الفرنسية والبلجيكية والهولندية.
المغرب في قلب التعاون الأمني الأوروبي
تكشف هذه العملية أن المغرب لم يعد مجرد شريك أمني إقليمي في مكافحة الجريمة المنظمة، بل أصبح فاعلا محوريا في منظومة التعاون الأمني الدولي، خصوصا في القضايا المرتبطة بالمخدرات وتبييض الأموال والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
فغالبية الموقوفين يحملون جنسيات أوروبية إلى جانب جنسيتهم المغربية، وهو ما يعكس تحولا لافتا في طبيعة التهديدات الأمنية المعاصرة، حيث أصبحت بعض الشبكات تعتمد على أفراد يتحركون بين فضاءات قانونية مختلفة ويستثمرون في الامتيازات التي تتيحها الجنسية المزدوجة.
الجريمة المنظمة تبحث عن الملاذات الآمنة
المعطيات الأولية للملفات المعروضة تشير إلى أن التهم الموجهة للموقوفين تتراوح بين الاتجار الدولي في المخدرات وتبييض الأموال والانتماء إلى تنظيمات إجرامية والاحتيال المالي، وهي جرائم لا تنفصل عن التحولات التي تعرفها الشبكات الإجرامية الحديثة.
فالملاحظ أن هذه الشبكات لم تعد تعتمد فقط على تهريب المخدرات كمصدر للربح، بل أصبحت تنشط في إعادة تدوير العائدات غير المشروعة عبر مسالك مالية وتجارية معقدة، ما يجعل مكافحة تبييض الأموال إحدى أهم جبهات المواجهة الأمنية والقضائية في الوقت الراهن.
مراكش تحت مجهر الشبكات المالية المشبوهة
وتعيد هذه التوقيفات طرح أسئلة قديمة متجددة حول أسباب استقرار أو تنقل بعض المبحوث عنهم دوليا داخل مدن تتمتع بجاذبية سياحية واقتصادية كبيرة، وعلى رأسها مراكش.
ففي العديد من التجارب الدولية، غالبا ما تبحث بعض الشبكات الإجرامية عن بيئات توفر سهولة الحركة والاستثمار وإمكانية الاندماج الظاهري في أنشطة اقتصادية مشروعة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد للأجهزة الأمنية بتعقب مصادر الثروة وأنماط الإنفاق والاستثمارات المشبوهة، وليس فقط الأشخاص المبحوث عنهم.
المحجوزات تكشف الوجه الاقتصادي للجريمة
ولعل طبيعة المحجوزات التي تم ضبطها خلال عمليات التفتيش تقدم مؤشرا إضافيا على حجم الرهانات المالية المرتبطة بهذه القضايا. فقد شملت العملية ساعات فاخرة وسيارات ودراجات نارية باهظة الثمن ومبالغ مالية بعملات مختلفة وبطاقات بنكية ووثائق سفر وهواتف محمولة، إضافة إلى جرعات من مخدر الكوكايين.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على ضبط المشتبه فيهم، بل أصبحت تستهدف أيضا البنية المالية والاقتصادية التي تسمح باستمرار الأنشطة الإجرامية وتوسعها.
نحو مرحلة جديدة من الملاحقة العابرة للحدود
وقد تم وضع الموقوفين رهن تدابير البحث القضائي تحت إشراف النيابات العامة المختصة، من أجل استجلاء كافة الامتدادات المحتملة لهذه الملفات والتثبت من الأفعال المنسوبة إليهم في إطار الشكايات والأوامر القضائية الأجنبية.
وتحمل هذه العملية دلالة استراتيجية تتجاوز حصيلتها الرقمية، إذ تؤكد أن التعاون بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيراتها الأوروبية دخل مرحلة أكثر تقدما من تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي. كما تعكس تطورا ملحوظا في قدرة السلطات المغربية على تعقب الأشخاص المطلوبين دوليا وتجفيف البيئات التي قد تستغلها شبكات الجريمة المنظمة للاختباء أو إعادة ترتيب أنشطتها.
وفي زمن أصبحت فيه الجريمة تتحرك بسرعة البيانات والأموال العابرة للقارات، تبدو الرسالة التي أفرزتها هذه الإيقافات واضحة: لم يعد الاختباء خلف تعدد الجنسيات أو تعقيد المسارات الدولية ضمانة للإفلات من الملاحقة، كما أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه كحلقة أساسية في منظومة الأمن الدولي ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ـ الصورة من الأرشيف ـ





