‏آخر المستجداتمال وأعمال

«كوفاس»: المغرب يحافظ على موقعه الاقتصادي إقليمياً وسط تصاعد المخاطر العالمية

كش بريس/التحرير ـ

واصل المغرب الحفاظ على موقع متقدم ضمن اقتصادات شمال إفريقيا، وفق تقييمات شركة التأمين على الائتمان «كوفاس» (Coface) الصادرة في أكتوبر 2026، مستفيداً من تدفقات الاستثمار الأجنبي، وانتعاش النشاط السياحي، واستمرار الطلب الداخلي. ويأتي هذا الأداء في سياق دولي تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات الناشئة، بفعل اضطراب أسواق الطاقة والمواد الغذائية، وارتفاع تكاليف التمويل، وتنامي المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

وأبقت المؤسسة، في تقريرها حول مخاطر الدول والقطاعات، على تصنيف المغرب عند المستوى «B» بالنسبة إلى مخاطر الدول، و«A4» فيما يتعلق بمناخ الأعمال. ويعكس التصنيف الأول تقييماً للمخاطر الاقتصادية والمالية والسياسية التي قد تؤثر في قدرة المقاولات على الوفاء بالتزاماتها، فيما يرتبط الثاني بالظروف التي تحكم ممارسة الأنشطة التجارية والاستثمارية.

وتبرز هذه المؤشرات استمرار قدرة الاقتصاد المغربي على استقطاب رؤوس الأموال والحفاظ على جاذبيته في محيط إقليمي يواجه اختلالات متزايدة في موازين التجارة الخارجية والاحتياطيات من العملات الأجنبية. غير أن هذا الوضع لا يعفي المملكة من ضغوط مرتبطة بارتفاع أسعار المدخلات الصناعية، وتقلب تكاليف الطاقة والنقل، وتباطؤ الطلب في الأسواق الأوروبية، التي تستوعب حصة مهمة من الصادرات المغربية.

الاقتصاد المغربي بين جاذبية الاستثمار وهشاشة الصناعة

ترصد «كوفاس» تبايناً في قدرة اقتصادات شمال إفريقيا على مواجهة الصدمات الخارجية. ففي الوقت الذي اتجهت فيه الجزائر ومصر وتونس إلى تشديد مراقبة الواردات، سعياً إلى دعم الإنتاج المحلي والحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي، واصل المغرب الاستفادة من تدفقات الاستثمار والسياحة، إلى جانب استقرار نسبي في الطلب الداخلي.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والمواد الأولية، وما تفرضه من ضغوط على تكاليف الإنتاج والميزان التجاري. كما تتأثر الاقتصادات المستوردة للمواد الغذائية باضطرابات الإمدادات الدولية وارتفاع أسعار الحبوب، الأمر الذي يوسع نطاق المخاطر المرتبطة بالتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

وفي المقابل، تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تباطؤ بعض الأنشطة الصناعية المغربية المرتبطة بالطلب الخارجي، خصوصاً الصناعات الكيماوية والإلكترونية والنسيج والملابس، في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وتراجع دينامية بعض الأسواق الأوروبية.

ويكشف هذا التفاوت أن تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة لا ينعكس بالضرورة بالوتيرة نفسها على مختلف القطاعات، إذ تظل الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة الدولية أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار واضطراب الإمدادات وتغير مستويات الطلب لدى الشركاء التجاريين.

كما يطرح هذا الوضع تحدياً يتعلق بقدرة المقاولات المغربية على المحافظة على تنافسيتها، في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة والتمويل، واستمرار الضغوط على هوامش الربح، خصوصاً في الأنشطة الصناعية الموجهة للتصدير.

الشرق الأوسط وأسواق الطاقة يعيدان تشكيل المخاطر

تأتي هذه التحديات في سياق دولي تطبعه تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، الذي أسهم، وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير، في اضطراب حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وسجلت الأسواق الدولية ارتفاعات قوية في أسعار عدد من المواد الأساسية، شملت النفط والغاز الطبيعي والقمح، في ظل تداخل المخاطر الجيوسياسية مع الاضطرابات المناخية واللوجستية. وتنعكس هذه التطورات بصورة مباشرة على الاقتصادات المستوردة، من خلال زيادة كلفة الواردات واتساع الضغوط التضخمية وتراجع هوامش المناورة المالية.

كما ساهمت الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر والبحر الأسود في زيادة صعوبات التوريد ورفع تكاليف الشحن، بينما أضافت الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة الروسية مزيداً من الضغوط على الأسواق الدولية.

وامتدت التداعيات إلى القطاع الزراعي، حيث أدى تضافر موجات الحر والجفاف مع اضطراب حركة صادرات الحبوب إلى زيادة المخاوف بشأن أسعار المواد الغذائية. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدان التي تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء مهم من حاجياتها، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على التضخم الغذائي والميزانيات العمومية.

وفي هذا السياق، تتوقع «كوفاس» تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.5 في المائة خلال 2026، مقابل 2.8 في المائة سنة 2025، قبل تسجيل تحسن محدود إلى 2.6 في المائة خلال 2027. وتربط المؤسسة هذه التوقعات باستمرار الضغوط التضخمية، وتشدد الأوضاع المالية، وتراجع قدرة عدد من الاقتصادات على امتصاص الصدمات الخارجية.

تشديد التمويل يرفع مخاطر تعثر المقاولات

تتزايد الضغوط على بيئة الأعمال العالمية مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وتشدد شروط التمويل، في وقت تواجه فيه المقاولات ارتفاعاً في أسعار الطاقة والمواد الأولية والنقل. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تقليص هوامش الربح، خصوصاً لدى الشركات التي تعاني أصلاً من محدودية السيولة أو ارتفاع المديونية.

وتتوقع «كوفاس» ارتفاع حالات إفلاس المقاولات بنسبة 6 في المائة خلال 2026، يعقبها ارتفاع إضافي بنسبة 5 في المائة سنة 2027. وإذا تحققت هذه التوقعات، فستكون السنة المقبلة السادسة على التوالي التي تسجل فيها حالات التعثر ارتفاعاً، لتتجاوز مستوياتها متوسط ما قبل جائحة كورونا بنحو 40 في المائة.

وتعكس هذه التقديرات اتساع الفجوة بين ارتفاع تكاليف التشغيل وقدرة المقاولات على نقلها إلى المستهلكين أو استيعابها داخل هوامشها المالية. كما تبرز حجم التحديات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تكون عادة أكثر حساسية لتغير شروط التمويل وتراجع الطلب.

ولم تقتصر مراجعات المخاطر على الاقتصادات الناشئة، إذ شملت أيضاً دولاً خليجية تتمتع بموارد مالية وطاقية مهمة. فقد خفضت «كوفاس» تصنيف السعودية وقطر من «A3» إلى «A4»، والإمارات من «A2» إلى «A3»، في ضوء التداعيات المحتملة للصراع الإقليمي على إنتاج الطاقة والصادرات والنقل والاستثمار.

وفي المقابل، رفعت المؤسسة تصنيفات جزر البهاما والسلفادور والجبل الأسود وزامبيا، استناداً إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية والمالية. كما سجلت مراجعات تخفيضية للمخاطر القطاعية في عدد من البلدان، مع بروز ضغوط على الصناعات الغذائية نتيجة تقلبات المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج والإمدادات.

تحديات المرحلة المقبلة أمام الاقتصاد المغربي

على الرغم من المؤشرات التي تدعم موقع المغرب ضمن اقتصادات شمال إفريقيا، فإن استمرار هذا الأداء يظل مرتبطاً بقدرته على مواجهة الضغوط الخارجية وتحسين قدرة القطاعات الإنتاجية على التكيف مع التحولات الدولية.

وتبرز في هذا السياق ثلاثة تحديات أساسية: الحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية على كلفة الإنتاج، وتعزيز تنافسية الصناعات الموجهة للتصدير، والحفاظ على جاذبية الاستثمار في بيئة مالية دولية تتسم بارتفاع المخاطر وتشدد شروط الائتمان.

كما تطرح التقلبات التي تعرفها الأسواق الأوروبية ضرورة توسيع قاعدة الشركاء التجاريين وتعزيز القيمة المضافة المحلية، بما يقلص تعرض المقاولات للصدمات التي تصيب سلاسل التوريد والطلب الخارجي.

وعلى المستوى الإفريقي، تحذر «كوفاس» من احتمال تصاعد الضغوط التضخمية خلال 2027، خصوصاً في إفريقيا جنوب الصحراء، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات تأثر المنتجات الفلاحية بالتقلبات المناخية المرتبطة بظاهرة «النينيو». وقد تؤدي هذه التطورات إلى زيادة الضغوط على العملات المحلية وتفاقم حاجيات التمويل الخارجي في عدد من الاقتصادات.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الحفاظ على موقعه الإقليمي يتطلب ترجمة جاذبية الاستثمار ودينامية السياحة إلى مكاسب إنتاجية أوسع، وتعزيز قدرة المقاولات على الصمود أمام ارتفاع التكاليف، مع مواصلة تطوير الصناعة الوطنية وتقليص مواطن التبعية للأسواق الخارجية.

وهكذا، تقدم مؤشرات «كوفاس» صورة عن اقتصاد يحتفظ بعوامل دعم مهمة، لكنه يظل معرضاً لتداعيات التحولات الدولية. ويظل الاختبار الأساسي في المرحلة المقبلة هو مدى قدرة هذه العوامل على حماية النمو والاستثمار والتشغيل من موجة المخاطر التي تعيد رسم شروط المنافسة الاقتصادية عالمياً.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button