مجلس المنافسة يستدعي “الفيدرالية” لمناقشة قيود الولوج إلى المحاماة

كش بريس/التحرير ـ في خطوة تعكس تصاعد الجدل المؤسساتي والقانوني حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، دخل مجلس المنافسة على خط النقاش الدائر بشأن شروط الولوج إلى المهنة، بعدما وجه دعوة رسمية إلى الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل للمشاركة في جلسة استماع مرتقبة يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بمقر المجلس بالرباط، وذلك لبحث المقتضيات التي تثير شبهة المساس بمبادئ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص داخل قطاع المحاماة.

وتكشف هذه المبادرة أن النقاش حول مشروع قانون المحاماة لم يعد محصوراً داخل الهيئات المهنية والدوائر التشريعية، بل تحول إلى ملف ذي أبعاد اقتصادية وحقوقية ومؤسساتية، خاصة بعد تصاعد الانتقادات الموجهة لبعض الشروط التي يعتبرها معارضو المشروع قيوداً غير مبررة تحد من حرية الولوج إلى المهنة.

وبحسب الوثيقة الصادرة عن رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، فإن جلسة الاستماع تأتي استجابة لطلب رأي تقدمت به الفيدرالية الديمقراطية للشغل، التي اعتبرت أن عدداً من مقتضيات المشروع المقترح تطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بالمنافسة والإنصاف المهني، وفي مقدمتها شرط السن المحدد لاجتياز امتحان الأهلية لممارسة مهنة المحاماة.

ويستند المجلس في تحركه إلى مقتضيات القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، ولا سيما المادتين 2 و16، اللتين تمنحانه صلاحية إبداء الرأي في النصوص والممارسات التي قد تؤثر على قواعد المنافسة داخل المهن والقطاعات الاقتصادية، بما فيها المهن الحرة المنظمة.

ومن المرتقب أن تتحول جلسة 19 ماي إلى محطة مواجهة قانونية وفكرية بين تصورين متعارضين لمهنة المحاماة؛ الأول يدافع عن الإبقاء على شروط تنظيمية صارمة بدعوى الحفاظ على جودة المهنة وضبط توازناتها، والثاني يعتبر أن هذه الشروط تحولت إلى أدوات انتقائية لإغلاق المهنة أمام فئات واسعة من الكفاءات وحاملي الشهادات.

وكانت الفيدرالية الديمقراطية للشغل قد وجهت انتقادات مباشرة للمقتضى المتعلق بخفض سن الترشح لاجتياز امتحان المحاماة من 45 سنة إلى 40 سنة، معتبرة أن هذا الإجراء لا يستند إلى مبررات موضوعية أو مهنية واضحة، بل يكرس منطق الإقصاء العمري ويضيق فرص الولوج أمام فئات اجتماعية ومهنية عديدة، خصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت آلاف الخريجين والموظفين إلى البحث عن مسارات مهنية بديلة.

وترى المركزية النقابية أن شرط السن يتعارض مع المبادئ الدستورية المرتبطة بالمساواة وتكافؤ الفرص وحرية العمل، كما يطرح، بحسب تصورها، مفارقة قانونية مثيرة للجدل، تتمثل في إمكانية تسجيل محامين أجانب بهيئات المحامين بالمغرب بناء على اتفاقيات دولية أو مبدأ المعاملة بالمثل، حتى بعد تجاوز السن المفروض على المغاربة، وهو ما تعتبره الفيدرالية شكلاً من أشكال التمييز غير المبرر قانونياً وأخلاقياً.

ولم تقتصر ملاحظات الفيدرالية على الجانب العمري فقط، بل امتدت إلى ما تعتبره ضيقاً في المسالك البيمهنية المؤدية إلى المهنة، حيث دعت إلى توسيع قاعدة المستفيدين منها لتشمل فئات أخرى، من بينها موظفو كتابة الضبط وموظفو الإدارات والمؤسسات العمومية، بما يسمح بضخ كفاءات وتجارب مهنية متنوعة داخل قطاع المحاماة.

وفي سياق التحضير لجلسة الاستماع، طالب مجلس المنافسة الفيدرالية الديمقراطية للشغل بتزويده بجملة من الوثائق التنظيمية والإدارية، من بينها النظام الأساسي للفيدرالية، والوصل القانوني النهائي، ولائحة أعضاء المكتب المسير، إضافة إلى تقرير مفصل حول أنشطتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في خطوة تعكس الطابع المؤسساتي الرسمي الذي يحيط بهذا الملف.

ويبدو أن دخول مجلس المنافسة على خط مشروع قانون المحاماة يمنح الجدل القائم بعداً جديداً يتجاوز النقاش التقني حول شروط الولوج، نحو مساءلة أعمق لفلسفة تنظيم المهن الحرة بالمغرب، وحدود التوازن بين حماية المهنة وضمان الحق الدستوري في الولوج إليها. كما يطرح هذا التطور تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام بعض المقتضيات المقترحة مع منطق المنافسة الحرة والانفتاح المهني، في وقت تتجه فيه العديد من التجارب المقارنة نحو تخفيف القيود الإدارية والعمرية وربط الولوج بالكفاءة والاستحقاق بدل الشروط الإقصائية المغلقة.

وبين من يعتبر المشروع محاولة لإعادة هيكلة المهنة وضبط اختلالاتها، ومن يراه مدخلاً لتكريس الانتقائية والتحكم في الولوج إلى قطاع حساس، تبدو جلسة مجلس المنافسة المقبلة مرشحة لتحويل النقاش من مجرد خلاف مهني إلى معركة قانونية ودستورية مفتوحة حول مستقبل مهنة المحاماة وحدود الحق في ممارستها.

Exit mobile version