
كش بريس/التحرير ـ في لحظات الأزمات الموسمية، حين يتحول السوق من فضاء طبيعي للتبادل إلى ساحة مفتوحة للمضاربة والاحتكار وإعادة تشكيل الأسعار بمنطق الربح السريع، تتدخل الدولة أحيانا لإعادة ضبط إيقاع التوازن المختل بين العرض والطلب. فحرية السوق، رغم كونها أحد أعمدة الاقتصاد الحديث، ليست مبدأً مطلقا خارج شروط العدالة والشفافية وحماية القدرة الشرائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد أو مناسبات ذات حساسية اجتماعية واسعة، كما هو الحال مع أضاحي عيد الأضحى التي ترتبط في الوجدان الجماعي المغربي بأبعاد دينية واجتماعية ورمزية تتجاوز منطق الاستهلاك العادي.
في هذا السياق، أعلن مجلس المنافسة، اليوم الجمعة، موافقته على لجوء الحكومة إلى اتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد، وذلك خلال الفترة الممتدة من تاريخ نشر قرار رئيس الحكومة في الجريدة الرسمية إلى غاية الثالث من يونيو 2026.
وأوضح المجلس، ضمن رأيه الصادر عقب اجتماعه المنعقد أمس الخميس، أن هذه التدابير يمكن أن تشمل أيضا إمكانية تسقيف أسعار بيع الأضاحي بالكيلوغرام، في حال ارتأت الحكومة ضرورة اعتماد هذا الإجراء الاستثنائي لضبط السوق والحد من الاختلالات المحتملة.
ويأتي هذا الرأي بعد طلب رسمي توصل به مجلس المنافسة من رئيس الحكومة بتاريخ 19 ماي الجاري، أي مباشرة بعد إعلان الحكومة عن حزمة إجراءات مرتبطة بتنظيم أسواق بيع الماشية بمناسبة عيد الأضحى، في ظل المخاوف المتزايدة من ارتفاع الأسعار وتنامي الممارسات المضارباتية.
وأكد المجلس أن القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يقوم أساسا على مبدأ حرية الأسعار، لكنه يتيح للحكومة، في حالات استثنائية ومحددة قانونا، إمكانية التدخل المؤقت لتنظيم بعض الأسواق عندما تكون آليات المنافسة الحرة مهددة أو مختلة بشكل قد يضر بالمستهلكين وبالتوازن الطبيعي للسوق.
وأشار مجلس المنافسة إلى أن الطلب الحكومي استند إلى مؤشرات تفيد بوجود ممارسات تؤثر سلبا على السير العادي لأسواق الأضاحي، من بينها المضاربة والزيادات غير المبررة في الأسعار، إلى جانب سلوكيات تهدف إلى التأثير المصطنع على توازن العرض والطلب، بما قد ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
كما استحضر المجلس خصوصية الفترة المرتبطة بعيد الأضحى، باعتبارها موسما يشهد كل سنة ارتفاعا مكثفا واستثنائيا في الطلب على الأضاحي بمختلف جهات المملكة، وهو ما يخلق ضغطا كبيرا على مسارات التموين والتسويق، ويفتح المجال أمام ممارسات منافية لقواعد المنافسة الحرة والنزيهة.
وفي هذا الإطار، سجلت المؤسسة الدستورية أن بعض السلوكيات المرتبطة بإعادة البيع من طرف الوسطاء بغرض المضاربة، أو التخزين غير المشروع للأضاحي لإحداث ندرة مصطنعة، أو التأثير المتعمد في مستويات الأسعار، من شأنها الإخلال بشفافية المعاملات التجارية وضرب التوازن الطبيعي للسوق، وهو ما يجعل هذه الأخيرة توجد في وضعية استثنائية تبرر التدخل العمومي المؤقت.
واعتبر المجلس أن التدابير المزمع اتخاذها من طرف الحكومة تهدف أساسا إلى حماية شفافية المعاملات التجارية، وضمان السير التنافسي السليم للأسواق، والحد من الممارسات التي تمس بقواعد المنافسة الحرة، بما يساهم في حماية المستهلك والحفاظ على استقرار السوق خلال هذه المناسبة الدينية ذات البعد الاجتماعي الواسع.
وبناء على هذه المعطيات، خلص مجلس المنافسة إلى أن الشروط القانونية اللازمة لتفعيل المادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة أصبحت متوفرة، وهو ما يتيح للحكومة اعتماد إجراءات استثنائية مرتبطة بتنظيم أسعار الأضاحي وأسواق بيعها خلال الفترة المقبلة.
وفي العمق، تعكس هذه الخطوة تحولا متزايدا في علاقة الدولة بالسوق، حيث لم يعد النقاش مقتصرا على ثنائية “التحرير أو التدخل”، بل أصبح يرتبط أكثر بسؤال التوازن بين حرية الاقتصاد ومتطلبات العدالة الاجتماعية. فحين يتحول السوق إلى فضاء للفوضى والمضاربة، يصبح التدخل العمومي ليس مجرد خيار إداري، بل محاولة لإعادة المعنى الأخلاقي لفكرة السوق نفسها، باعتبارها آلية لخدمة المجتمع لا لاستنزافه في لحظات الهشاشة والطلب المرتفع.



