
كش بريس/التحرير ـ اعتبر الخبير الاقتصادي والأكاديمي في الاقتصاد السياسي والحكامة، الدكتور محمد حركات، أن توقع وزارة الاقتصاد والمالية تحقيق الاقتصاد المغربي معدل نمو في حدود 4.2 في المائة خلال سنتي 2028 و2029 يظل دون مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، ولا سيما في ما يتعلق بخلق فرص الشغل واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب داخل سوق العمل.
وأوضح حركات في تصريح خص به موقع “كش بريس”، أن هذا المعدل، رغم دلالته الإيجابية في حسابات النمو، يبقى ضعيفاً مقارنة بحجم الاحتياجات الاجتماعية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع البطالة في صفوف القادرين على العمل، مؤكداً أن الاقتصاد المغربي يحتاج، في تقديره، إلى تحقيق معدل نمو لا يقل عن 7 في المائة حتى يتمكن من إنتاج عدد كافٍ من فرص الشغل والاستجابة لضغوط سوق العمل.
نمو دون تشغيل لا يحل المعضلة الاجتماعية
ويرى الأكاديمي المغربي أن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في تسجيل نسبة نمو إيجابية، وإنما في طبيعة هذا النمو وقدرته على التحول إلى فرص شغل ودخل واستثمار منتج. فمعدل 4.2 في المائة، وفق قراءته، لا يبدو كافياً لمجاراة حاجيات الشباب ولا لتقليص الفجوة القائمة بين النمو الديموغرافي ومتطلبات سوق العمل.
ويحذر حركات من أن استمرار معدلات النمو عند مستويات محدودة قد يجعل الاقتصاد أمام مفارقة تتمثل في تحسن بعض المؤشرات الماكرو اقتصادية، مقابل استمرار الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالبطالة والهشاشة وضعف القدرة على الولوج إلى سوق الشغل.
الاقتصاد المغربي أمام جغرافيا سياسية مضطربة
وفي قراءته لآفاق الاقتصاد الوطني، شدد حركات على أن توقع بلوغ 4.2 في المائة خلال 2028 و2029 لا يمكن فصله عن سياق دولي يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، بفعل التحولات الجيوستراتيجية وتداعيات الصراعات العسكرية على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وما يرتبط بها من اضطرابات في طرق الملاحة الدولية وأمن المضايق، قد ينعكس على كلفة الطاقة والنقل والواردات، بما يرفع الضغوط على الاقتصاد المغربي ويؤثر في توازناته الخارجية.
كما لفت إلى أن الوضع الاقتصادي لشركاء المغرب الأوروبيين يظل عاملاً حاسماً في تحديد آفاق النمو الوطني، خصوصاً في ظل مخاطر الركود التضخمي وتراجع الطلب الخارجي، فضلاً عن الخلافات المرتبطة بملفات الهجرة وحركة العبور نحو سبتة، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على العلاقات الاقتصادية والتجارية وحركة المبادلات.
من أزمة الطاقة إلى هشاشة الاقتصاد المرتبط بالأمطار
وحذر الخبير الاقتصادي من أن فاتورة الطاقة ستظل أحد مصادر الضغط الأساسية على الاقتصاد المغربي، في ظل تعرض الأسواق الدولية لتقلبات حادة مرتبطة بالصراعات الجيوسياسية.
وأضاف أن هشاشة بعض مكونات الاقتصاد الوطني أمام التقلبات المناخية تظل بدورها عاملاً مؤثراً في مسار النمو، بالنظر إلى استمرار ارتباط قطاعات واسعة بتساقطات الأمطار، وما يترتب عن توالي سنوات الجفاف أو عدم انتظام التساقطات من انعكاسات على الفلاحة والتشغيل والدخل والطلب الداخلي.
وبحسب حركات، فإن الجمع بين الصدمات الخارجية والتقلبات المناخية يجعل الوصول إلى معدل النمو المتوقع رهيناً بقدرة الاقتصاد المغربي على تنويع مصادر النمو وتقليص درجة تعرضه للعوامل التي تقع خارج نطاق التحكم الوطني.
الفساد والريع يهددان فعالية النمو
ولم يفصل الأكاديمي المغربي بين سؤال النمو وبين طبيعة الحكامة الاقتصادية، معتبراً أن الفساد وتبديد المال العام والاحتكار وتضارب المصالح واستمرار بعض مظاهر العقلية الريعية تشكل عوائق بنيوية أمام تحقيق نمو مستدام وعادل.
ويرى حركات أن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى موارد واستثمارات، وإنما إلى بيئة مؤسساتية قادرة على ضمان توجيه الموارد العمومية نحو الاستثمار المنتج، والحد من الاحتكار والممارسات التي تعيق المنافسة، وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويحذر من أن استمرار هذه الاختلالات يمكن أن يجعل معدلات النمو المحققة أقل أثراً على الحياة الاجتماعية، لأن جزءاً من القيمة الاقتصادية قد لا يتحول بالضرورة إلى فرص شغل أو تحسين ملموس في توزيع الثروة والدخل.
انتخابات 2026 واختبار الثقة السياسية
ويربط حركات مستقبل السياسات الاقتصادية كذلك بمخرجات الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، معتبراً أن مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية تقتضي مؤسسات منتخبة تستعيد ثقة المواطنين وتتمتع بقدر عالٍ من النزاهة والفعالية.
وأكد أن الرهان، في تقديره، لا يتعلق فقط بانتخاب برلمان وتشكيل حكومة، وإنما بإفراز نخب سياسية قادرة على تحمل مسؤولية المرحلة، وبعيدة عن شبهات الفساد وتضارب المصالح، وقادرة على إنتاج سياسات عمومية تتناسب مع حجم الانتظارات الاجتماعية.
وختم حركات بالتشديد على أن معدل 4.2 في المائة لا ينبغي التعامل معه كغاية في حد ذاته، وإنما كسقف ينبغي تجاوزه إذا أراد المغرب تحويل النمو إلى تشغيل وعدالة اجتماعية ومناعة اقتصادية، معتبراً أن نجاح ذلك سيظل مرتبطاً بجودة الحكامة، وفعالية المؤسسات، وقدرة الدولة على مواجهة الريع والاحتكار والفساد، فضلاً عن طبيعة الخيارات السياسية التي ستفرزها استحقاقات شتنبر 2026.




