
كش بريس/ التحرير ـ لم يعد تحديث قطاع التأمينات مجرد إجراء تقني مرتبط بتعديل بعض المقتضيات القانونية، بل أصبح جزءا من تحول أوسع يطال بنية الاقتصاد الوطني وأساليب تدبير المخاطر والخدمات المالية. فالتوسع الرقمي، وتغير أنماط الاستهلاك، واتساع الحاجة إلى الحماية الاجتماعية والمالية، كلها عوامل دفعت إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم للتأمين، بما يجعله أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الجديدة وأكثر انسجاما مع رهانات الشمول المالي والابتكار. ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع تعديل مدونة التأمينات باعتباره خطوة لإعادة تنظيم القطاع على أسس تجمع بين الحكامة والرقمنة وحماية المستهلك.
وفي هذا السياق، أعدت وزارة الاقتصاد والمالية مشروع قانون جديدا لتعديل وتتميم مدونة التأمينات، في خطوة تروم تحديث البنية التشريعية للقطاع وجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مع تعزيز تنافسية السوق الوطنية وملاءمتها مع المعايير الدولية.
وترى الوزارة، في مذكرتها التقديمية، أن قطاع التأمينات يؤدي وظيفة استراتيجية مزدوجة، تتمثل من جهة في حماية الأفراد والمقاولات من المخاطر المختلفة، ومن جهة ثانية في تعبئة الادخار والمساهمة في تمويل الاقتصاد الوطني، بما يمنحه موقعا محوريا داخل المنظومة المالية المغربية.
ويرتكز المشروع أساسا على مراجعة الكتاب الأول المرتبط بعقد التأمين، من خلال إدراج إطار قانوني خاص بالتأمينات الصغرى، بهدف توسيع استفادة الفئات الهشة ومحدودة الدخل من الخدمات التأمينية، عبر تبسيط المساطر وتكييف العقود مع طبيعة احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية. كما يقترح المشروع تقنين التأمينات المدمجة المرتبطة بالخدمات والمنتجات، مع تعزيز شفافية العقود وضمان وضوح الالتزامات المتبادلة بين المؤمن والمؤمن له.
ويتضمن النص كذلك إجراءات جديدة لتبسيط مساطر فسخ العقود في حالة عدم أداء الأقساط، وتقليص آجال التصريح بالحوادث وتسريع التعويضات، فضلا عن اعتماد إمكانية التعويض الجزافي في بعض العقود بدل الاكتفاء بمبدأ التعويض التقليدي. كما يولي المشروع أهمية خاصة لحماية المستهلك، عبر تنظيم حالات الجزاء الجزئي الناتج عن التأخر في التصريح بالحادث، وتقنين آجال الانتظار داخل بعض العقود التأمينية.
أما على مستوى الكتاب الثالث المتعلق بمقاولات التأمين وإعادة التأمين، فيسعى المشروع إلى تعزيز الإطار المؤسساتي للقطاع، من خلال وضع قواعد جديدة لتنظيم نشاط إعادة التأمين، بما يشمل إخضاع الشركات الأجنبية لشروط تنظيمية دقيقة، إلى جانب إحداث هيئة مهنية موحدة وإلزامية لوسطاء التأمين، تخضع أنظمتها الأساسية لمراقبة الإدارة بعد استشارة هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي.
ويراهن المشروع أيضا على إعادة هيكلة منظومة توزيع التأمينات عبر مراجعة الكتاب الرابع، من خلال وضع تعريف قانوني واضح لمختلف المتدخلين في عمليات التوزيع، وإرساء شروط مهنية وتقنية جديدة، مع إحداث سجل عمومي خاص بالوسطاء، وتسهيل الولوج إلى المهنة، وتعزيز التكوين المستمر، وتوسيع قاعدة الفاعلين داخل السوق.
كما يمنح النص لشركات التأمين إمكانية تعيين وكلائها تحت مسؤوليتها المباشرة، مع احتفاظ هيئة المراقبة بصلاحية منح الاعتمادات، إلى جانب إلزام موزعي التأمين بواجب الإعلام وتقديم المشورة للزبناء، بما يعزز مبادئ الشفافية وحماية المستهلكين.
وفي بعده المرتبط بالابتكار، يقترح المشروع إحداث آلية “الباكاج التجريبي” أو الـSandbox، التي تسمح بمنح تراخيص مؤقتة واستثنائية لاختبار حلول تكنولوجية جديدة داخل قطاع التأمين لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات قابلة للتجديد، في خطوة تروم خلق توازن بين تشجيع الابتكار الرقمي وضمان حماية المؤمن لهم.
ويعكس هذا المشروع توجها متصاعدا نحو إعادة تعريف وظيفة التأمين داخل الاقتصاد المغربي، ليس فقط كقطاع مالي تقليدي، بل كفضاء جديد لتقاطع الرقمنة والحكامة والشمول المالي. فالرهان لم يعد مقتصرا على تحديث النصوص القانونية، بل يتصل ببناء منظومة تأمينية أكثر مرونة وابتكارا وقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيد العالم الرقمي صياغتها بوتيرة متسارعة.





