كش بريس/التحرير ـ صدر للشاعر أحمد الشهاوي كتابه الشعري الجديد «يمشون في السماء»، في أول إصدار شعري له عقب حصوله على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 2025، وفي تجربة يقدّمها بوصفها عودة إلى شعرية الذاكرة والحرية والمعنى، من خلال استعادة عشرين شخصية من تاريخ الفكر والشعر والتصوف العربي والإسلامي، انتهت حياتها بالعنف أو القتل أو السجن أو النفي أو إحراق الكتب.
ويشكل الكتاب، الذي كتبه الشهاوي في القاهرة على امتداد أربعة أشهر بين أبريل ويوليوز 2026، منعطفاً جديداً في تجربته، إذ يضم عشرين نصاً شعرياً، يوازي كل واحد منها شخصية من الشخصيات التي اختارها الشاعر موضوعاً للتأمل والاستعادة، من العصر الجاهلي مروراً بالعصر الأموي والعباسي والأندلسي، وصولاً إلى العصور الأيوبية والمملوكية.
وتضم القائمة شخصيات مثل الحسين بن منصور الحلاج، وشهاب الدين السهروردي، وابن سبعين، وعين القضاة الهمذاني، والنسيمي، وابن قسي، وبشار بن برد، وطرفة بن العبد، وغيلان الدمشقي، وسحيم عبد بني الحسحاس، وابن المقفع، وابن مقلة، وابن رشد، وابن سينا، وابن حزم الأندلسي، وابن باجة، ولسان الدين بن الخطيب، وابن خاقان، والكميت، والجعد بن درهم.
ولا يتعامل الشهاوي مع هذه الأسماء باعتبارها مجرد شخصيات تاريخية، وإنما يستعيدها بوصفها علامات على صراع قديم ومتجدد بين المعرفة والسلطة، وبين حرية السؤال ومحاولات إخضاع الفكر. ومن هنا جاء عنوان مقدمته «مقتولون بالمعنى»، في إحالة إلى أولئك الذين كان ثمن أفكارهم ومواقفهم أجسادهم أو كتبهم أو حرياتهم.
ويفتتح الشهاوي كتابه بعبارة مكثفة تختزل رؤيته: «ليس الدم نقيض الحبر، إنه امتداد حين تعجز الصفحات عن الاحتمال»، ليؤسس منذ البداية لعلاقة رمزية بين الكتابة والجسد، وبين المعرفة والتضحية، حيث تتحول الكلمة إلى أثر يتجاوز صاحبها حتى بعد موته.
وفي مقدمته، ينظر الشاعر إلى هؤلاء بوصفهم أشخاصاً «يمشون على حد المعنى»، ويكتبون بأعصابهم لا بأقلامهم، لأن المعرفة بالنسبة إليهم لم تكن ترفاً فكرياً، بل امتحاناً للوجود. فالحقيقة، في هذا التصور، لا تأتي جاهزة، وإنما تُكتشف «كجرح»، والمعرفة ليست ما نتعلمه فقط، بل ما ندفع ثمنه.
ويستعيد الشهاوي في هذا السياق صوراً من مصائر الحلاج وعين القضاة الهمذاني والسهروردي، ليجعل من أجسادهم وكتبهم ومساراتهم الفردية استعارة واسعة للمواجهة بين النور والخوف، وبين السؤال والمؤسسة، وبين الرؤية وما تستطيع السلطة الاجتماعية أو الدينية احتماله.
وتتجاوز المقدمة حدود التقديم التقليدي للعمل، لتتحول إلى بيان شعري وفكري حول علاقة الكاتب بالمعنى. فالشهاوي يرى أن أعداء المعرفة لم يكونوا دائماً سيوفاً، بل كانوا أيضاً كلمات تتدثر بسلطة التأويل، وتحول السؤال إلى جريمة والتأمل إلى تهمة، كلما بدا أن الفكرة تهدد يقيناً مستقراً أو سلطة تخشى انكشاف حدودها.
ويضع الشاعر مشروعه الجديد في امتداد تجربته الشخصية مع الكتابة، مستعيداً واقعة تعرضه للتكفير على خلفية كتابه «الوصايا في عشق النساء» بجزأيه، خلال عامي 2003 و2006، معتبراً تلك التجربة لحظة كاشفة جعلته يدرك أن الكتابة ليست ممارسة بريئة أو محايدة، وأن الشعر يمكن أن يتحول إلى موقف من العالم، خصوصاً عندما يقترب من المناطق التي تتقاطع فيها الحرية مع السلطة.
ومن هذه الزاوية، يقدم «يمشون في السماء» بوصفه امتداداً لتجارب الشهاوي السابقة في استعادة هذه الشخصيات، لكنه يغيّر هذه المرة أداة الاقتراب منها؛ إذ ينتقل من الكتابة النثرية إلى القصيدة، ومن التوثيق إلى التخييل، ومن استعادة السيرة إلى استحضار الصوت الإنساني الكامن خلفها.
ويقول الشاعر، في تقديمه للعمل، إنه لا يقترب من هذه الشخصيات بوصفها رموزاً مكتملة أو قديسين منزّهين، وإنما باعتبارها «جراحاً ما زالت تنزف في اللغة»، محاولاً استعادة أصواتها لا سيرها فقط، ومنحها في الشعر إمكانية حضور رمزي جديد، بعيداً عن القراءات التي تختزل أصحابها في نهاياتهم المأساوية.
ويعيد الكتاب، بهذا المعنى، طرح سؤال الذاكرة الثقافية: ماذا يبقى من الذين حاول التاريخ إسكاتهم؟ وهل يستطيع الموت أن ينهي فكرة حملها صاحبها إلى أقصى حدودها؟ بالنسبة إلى الشهاوي، لا تكمن الإجابة في تخليد الضحايا باعتبارهم أبطالاً من الماضي، وإنما في إعادة إدخال أصواتهم إلى الحاضر، حتى تستعيد أسئلتهم قدرتها على إزعاج اليقين.
فالذين «خسروا حياتهم وربحوا المعنى»، وفق الرؤية التي تقترحها مقدمة الكتاب، لا يعودون إلى الحاضر بوصفهم أشباحاً، وإنما بوصفهم لغة حية، وأسئلة مفتوحة، وطريقة مختلفة في النظر إلى العالم.
ومن هنا يتحول «يمشون في السماء» إلى مشروع شعري ضد النسيان، وإلى محاولة لاستعادة الكتابة باعتبارها فعلاً من أفعال الحرية؛ فالشعر، في أفق الكتاب، لا يرثي من ماتوا بقدر ما يستدعيهم، ولا يغلق سيرهم عند لحظة الموت، وإنما يفتح لهم ممراً جديداً داخل اللغة.
إنه كتاب عن المعنى حين يصبح أكثر خطورة من السلامة، وعن الكلمة حين تتحول إلى قدر، وعن أولئك الذين اختاروا الوقوف في الجهة الأكثر وعورة من الحقيقة؛ حيث لا تكون الحرية امتيازاً، وإنما مخاطرة وجودية، وحيث يستطيع الحبر، بعد أن يعجز الجسد، أن يواصل المشي.

امحمد الصاقي: شيشاوة وسؤال النكوص السياسي.. حين تتحول السياسة إلى استعراض وتغيب الدولة عن الوعي العام
د. اياد البرغوثي: الفلسطينيون ومتلازمة “الشرعية”
«جيميني» يدخل الفصل الدراسي.. غوغل توسع أدوات التعلم بالذكاء الاصطناعي
خديجة الخليفي تكتب: أوراق الوجه!