أحمد الشيخاوي
هي ظاهرة لا يمكن إلا أن تستوقف العقل البشري، مُستفِزّة فيه، بؤر الدهشة والاستغراب والتعاطف والرعب والإنكار في كثير من الأحيان.
التأريخ لها، إنما أسَّس لمرحلة وعي جديدة، وإن كان هذا لا يعني الرّصد الفعلي والحقيقي لأول حالة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، مُعطى الانفلات أو العفوية أو التغاضي، وكل ما هو والج في دائرة التابوهات عموما، فليس كل ما تعرفه البشرية، يوثّق بالضرورة، أو يتم الاحتفاظ يه في الذاكرة المكتوبة.
المهم أن أول حالة انتحار سُجّلت، في صفوف المثقفين العرب، في العصر الحديث، تعود إلى العام1930، حين أقدم الشاعر والأديب المصري أحمد العاصي على وضع حد لحياته، عقب معاناة صحية ونفسية طويلة، تبعتها بعد ذلك وإلى حدود الآن العشرات من المواقف الممهورة بنظير هذا السلوك الشاذ، الممنوع جملة وتفصيلا، والذي لم يتم تجريمه إلاّ في أوج انتشار الديانة المسيحية، كون التعامل معه فيما سبق ذلك من عصور، ظل مطبوعا بسياسة التكاسل، ففي الجاهلية نورد على سبيل المثال لا الحصر، سردية انتحار كل من الشاعرين طرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم، على الرغم من تواجد من جاء بحقائق تحاول تفنيد ودحض نظير هذا الزعم، ففي رواية أنهما لم ينتحرا وإنّما قُتل الأول، بينما مات الثاني بشكل اعتيادي، لا غبار عليه، إذ أن قصة الأول تُختزل في كونه كان ضحية لمكيدة الملك عمرو بن هند الذي خشي المواجهة وقد هجاه طرفة، إلى جانب أخيه، بأبيات أذلّتهما وانتقصت منهما ولطّخت هيبتهما، وهكذا كتب له ولخاله “المتلمس” كتابين إلى عامله بالبحرين يوهمه بحصاد جائزة، لكن… في الطريق بعد أن رواد” المتلمّس” الشك، اضطرّ إلى فتح رسالته ليرى أن الملك يأمر بقتله فرماها وهرب، محذرا طرفة هو الآخر من أن يلقى ذات المصير، هذا الأخير الذي رفض تحذير الخال، معتقدا بأن الملك ما استدعاه إلا من أجل المكافأة فواصل الطريق، ليصطدم في النهاية بهول المكيدة، عامل البحرين يفتح الرسالة ليجد أمراً صريحاً بدفن طرفة حياً أو قتله. وحين خُيِّر طرفة في طريقة موته، اختار أن يُقطع له عِرق (الأكحل) لينزف حتى الموت وهو ابن 26 عاماً، وهو اختيار أقرب إلى الانتحار، منه إلى الوأد أو القتل، الشيء الذي دفع ببعض المؤرخين إلى اعتبار طرفة بن العبد قضى منتحرا.
أما عمرو بن كلثوم فنوجز قصة وفاته كالتالي:
يعتبر الثأر لكرامة والدته ” ليلى بنت المهلهل” من أبرز الدوافع التي أجبرته على قتل الملك عمرو بن هند، وكانت أم الملك طلبت من أم الشاعر أن تخدمها، على نحو ينم عن خدعة، الشيء الذي لم يتقبّله ــ إطلاقا ــ عمرو بن كلثوم وهو الفتاك الثغلبي كما يلقبّونه، فقد اعتبر ذلك مهانة وانتقاصا من قدر وهيبة أمه فصنع بالملك ما صنعه، بيد أن السرديات تكاد تجمع على أنه لم ينتحر وإنما لاقى ميتة طبيعية جدا، سبقتها مباشرة وصية خطّها لبنيه.
أما عالميا فنجد قائمة المنتحرين من صفوة المبدعين وعظماء التاريخ البشري تظم هذه الأسماء، التي نوردها كضرب من مثل، لا على سبيل التعميم: بوديكا وبروتوس وماركوس أنطونيوس وكليوباترا السابعة ملكة مصر ويهوذا الإسخريوطي وحنبعل ونيرون وفيرجينيا وولف وصادق هدايت وسيغموند فرويد وأدولف هتلر وإيفا براون وإرنست همينغوي وسيلفيا بلاث ومارينا تسفيتايفا ويوكيو ميشيما وهانتر طومسون وكيرت كوبين ولودفيغ بولتزمان وإين كورتيس وفينسنت فان غوخ.
لقد تم النهي عن الانتحار في القرآن الكريم بشكل صريح ومباشر، بما يفتح زوايا للنور في عتمة الذات والحياة، إذ أن الشخصية السوية إنما يُغذِّيها استشعار الرحمة الإلهية على الدوام، وفي الزمكان.
الانتحار كسلوك اظطرابي، وفي أبسط تعريفاته هو أن ينهي الإنسان حياته بنفسه، تحت ظرف ما، أو لسبب معين، قد يكون نفسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا إلخ…
خلاصة القول أنه، أي فعل الانتحار، قد يُقترف كنتيجة طبيعية للخواء الروحي، في تقديري، فالكائن مُطالب أن بمراعة وتلبية مجمل الاحتياجات التي يفرضها ثالوث هويته الوجودية: العقل والجسد والنفس، وكيف أن سائر هذه العناصر، متوقِّفة على الطاقة والوقود المستمر، من أجل تغذيتها، وخلق التوزان المطلوب في بناء وتكوين شخصية ما، ضمانا لاستقرارها البعدي.
الأكيد أنه يصعب خندقة هذه الظاهرة، أو ربطها بخلفية أو سياق، من غير انتهاك وجرأة واستكناه، وتحمل للمسؤولية الإنسانية والإيديولوجية والتاريخية والعقائدية والثقافية.
أيسعنا تصنيفها؟ هل هي فلسفة؟ أم عادة؟ أم ثقافة؟ أم زلزالا كينونيا؟ أم موضة، حتّى، آخذة ملا محها بالإنرسام!؟ جراء ما كلّفنا الانفتاح الأعمى والنأي عن الروحانيات المُلهمة، التي من شأنها لملمة التفاصيل في مشهد الجنائزية هذا، الذي بات يحتّم علينا، جديد المقاربات، بوعي أكثر حدّة وتيقظ، تعكسه مرايا جيل متبدِّل جذريا.

1003 تصريحات بالترشيح في ثاني أيام السباق إلى مجلس النواب
نائل العيناوي ينتقل إلى لايبزيغ على سبيل الإعارة قادما من روما
جميلة السيوري تنتقد محامين خالفوا قرار التوقف بهيئة الدار البيضاء: «النية شخصية لكن الأثر قد يكون سياسيا»
القضاء الإداري بمراكش يجرد أربعة مستشارين من عضوية مجلس جماعة تسلطانت