
ـ قراءة شاملة في قصيدة (فيما يُحايثُ الرثاء: السير فوق سرير الماء) ـ

إلى زها حديد بكامل أنفاس الزهو ..الشاعر حسن عبد الحميد
هذه القصيدة لا تنتمي إلى الرثاء التقليدي بقدر ما تنتمي إلى ما يمكن تسميته رثاء جماليا وفلسفيا فالشاعر لا يبكي زها حديد بوصفها إنسانة رحلت فحسب وإنما يرثي من خلالها فكرة عراقية استثنائية عن الجمال والعبقرية والقدرة على تحويل المستحيل إلى شكل حيّ.
ومنذ العنوان (فيما يُحايثُ الرثاء / السير فوق سرير الماء) يضعنا حسن عبد الحميد أمام مفارقة مركزية كيف يمكن للمرء أن يمشي فوق الماء وكيف يمكن للرثاء أن يحايث الموت دون أن يغرق فيه؟ وهنا تصبح زها حديد نفسها أشبه بالماء عصية على الإمساك متحركة.. متشكلة لا تستقر في قالب.
أولاً: زها حديد بوصفها (مجازا)
القصيدة لا تتعامل مع زها باعتبارها مهندسة معمارية فقط. إنها تحوّلها إلى علامة شعرية. ولذلك تتكرر مفردات الماء.. والنهر.. والبحر.. والضوء.. والبياض.. والخرائط.. والريشة.. والأجنحة.
يقول
(يحدثُ أن يكونَ الحبُّ غابةً!!
كما يحدثُ أن تكونَ الأرضُ
ريشة في جِناح يمامة)
إنها بداية تؤسس لمنطق القصيدة كل شيء قابل للتحول. الحب غابة والأرض ريشة والنهر أثر ريح والمبنى ذاكرة والموت لص والبياض محنة.
وهذا بالضبط هو العالم الجمالي الذي تنتمي إليه زها عالم لا يعترف بالخط المستقيم بوصفه قدرا نهائيا بل يرى الشكل في حالة انحناء وحركة وتحوّل دائم.
لذلك تبدو القصيدة وكأنها تحاول أن تكتب العمارة باللغة الشعرية.

ثانياً: الماء بوصفه المعادل الموضوعي لزها
أكثر العناصر حضورا في النص هو الماء.
النهر يستفيق ودجلة يحضر وسريرها يمتد كالماء وفي النهاية
(كيفَ ينسابُ دجلةُ فوقَ مَراثيه
في زهوِ… زها… العنيدةِ
كما نزقِ الطفولةِ…
وكما كبرياءِ… ماء؟!)
هنا تبلغ القصيدة واحدة من أجمل ذرى الصورة.
دجلة لا يمر أمام زها وإنما ينساب فوق مراثيها.
وهذه صورة شديدة الذكاء لأن الماء هنا ينتصر على الموت. المرثية نفسها تصبح شيئا جامدا بينما دجلة يظل جاريا. وبذلك تتحول زها من (ميتة) إلى حركة مستمرة داخل الذاكرة العراقية.
وصفة (العنيدة) ليست عابرة فزها في المخيال العالمي لم تكن مجرد مهندسة ناجحة بل كانت صاحبة مشروع جمالي قاوم المألوف. لذلك تأتي عبارة
(زهوِ… زها… العنيدةِ)
وكأن الاسم نفسه يتحول إلى فعل من أفعال الزهو والتمرد.
ثالثاً: الموت في القصيدة ليس قدرا فقط… بل (لص)
الشاعر يستدعي المتنبي
(وما الموتُ إلا سارقٌ دقَّ شخصُهُ…)
لكن اللافت أنه لا يكتفي باستحضار البيت بوصفه شاهدا تراثيا بل يعيد بناء الموت في صورته الخاصة
(أن يتسللَّ الموتُ بخفّةِ لصٍّ ورجفةِ جفن)
إنه موت لا يعلن وصوله. لا يطرق الباب. لا يمنح فرصة للوداع.
ثم تأتي الصورة الأكثر ابتكارا
(لماذا لم يرتدِ الموتُ نظّاراتِه الطبيّةَ
لحظةَ اقتناصِ شهقتِها الأخيرة)
السؤال هنا عبثي في ظاهره عميق في باطنه.
لماذا يحتاج الموت إلى نظارات؟
لأن الشاعر يتعامل معه وكأنه أخطأ في التشخيص وكأن زها ليست ممن يجوز للموت أن يقترب منهم. وكأن الموت لو كان يرى جيدا لعرف أن هذه المرأة لا تزال تحمل خرائط كثيرة لم تُنجز.
وهنا ينتقل الرثاء من الحزن إلى الاحتجاج على الموت.
رابعاً: (عراق) بلا أل التعريف
من أكثر المواضع كثافة دلالية قوله
(يتهجّى (عراق) بلا ال (التعريف)
هذه العبارة الصغيرة تحمل حمولة كبيرة.
العراق هنا ليس مجرد اسم بلد وإنما هوية مجردة من التعريف عراقٌ فقد بعض ملامحه أو صار اسما مفتوحا على الاحتمالات والخراب والحنين.
والأهم أن الشاعر يضع زها في علاقة إشكالية مع هذا العراق
(وجفاءِ آسًى من عراق قايض مَهِرَها…
واغتال مُهرتَها)
هنا تظهر المرارة.
زها ابنة العراق لكن العراق لم يمنحها ما يليق بعبقريتها. وهذه ليست إدانة مباشرة، بل عتاب شعري موجع.
فالمفارقة أن المرأة التي صنعت أبنية أدهشت العالم خرجت من بلد كان عاجزا عن بناء البيئة التي تحتضن أمثالها.

خامساً: من العمارة إلى الشعر
من أجمل ما في النص أن الشاعر لا يحاول أن يصف أبنية زها وصفا هندسيا بل يفعل شيئا أكثر ذكاء يبحث عن اللغة الشعرية التي تشبه هندستها.
لاحظ كثافة مفردات
الخرائط.. الألبومات.. المباني.. الرسم.. الورق.. الأثاث.. السرير.. الأشكال.. الضوء.. النهر.. البحر.
كلها مفردات تنتمي إلى فضاء العمارة لكنه يعيد تشكيلها داخل فضاء شعري.
حتى قوله:
(ويتملّى خرائطَ لم تنهضْ بعدُ
من غفوةِ ورقِها المُقوّى)
يجعل المخطط الهندسي كائنا نائما ينتظر أن يستيقظ.
وهذا جوهري في تجربة زها المبنى يبدأ فكرة على الورق ثم يتحول إلى واقع.
لكن الموت قطع المسافة بين الفكرة والاكتمال.
ومن هنا يأتي وجع القصيدة خرائط لم تنهض بعد.
سادساً: البياض والظلام
تتكرر ثنائية البياض/العتمة بصورة واضحة
(فيحيلَ البياضَ إلى محنة…
محنة من بقايا بياض أنيق)
البياض هنا يمكن أن يُقرأ بوصفه بياض الورق وبياض المخطط وبياض العمارة وبياض النقاء.
ثم يأتي الموت ليحوّل هذا البياض إلى محنة.
لكن الشاعر لا يسمح للعتمة أن تبتلع البياض بالكامل إذ يقول
(يُضيء فضائل وهج ليلِها المُعتم)
فتصبح العتمة نفسها قابلة للإضاءة.
وهذه إحدى مفارقات النص الأساسية الموت يُطفئ الجسد لكنه لا يستطيع إطفاء الأثر.
سابعاً: حضور النِّفَّري والمتنبي وجواد الحطّاب
القصيدة مبنية على حوار ثقافي متعدد الطبقات.
يبدأ الشاعر بالنِّفَّري
(فإنْ أوقفَكَ في الصُّراخِ… فنَمْ فيه)

ثم يستدعي المتنبي في الحديث عن الموت ثم يستحضر جواد الحطاب
(جئنا نغسلُ أنفسَنا بالنسيان
فأُصيبُ النسيانُ.. بداءِ الذكرى)
هذه الاستدعاءات ليست للزينة الثقافية.
النِّفَّري يمنح النص البعد الصوفي
والمتنبي يمنحه البعد الحكمي والفلسفي
وجواد الحطاب يمنحه الذاكرة العراقية الحديثة.
وهكذا تتحول مرثية زها إلى مساحة تلتقي فيها الصوفية العربية والحكمة الشعرية والوجع العراقي المعاصر والحداثة المعمارية.
ثامناً: الحوار مع (الصديق) تقنية مهمة
وجود الصديق في القسم الثاني ليس تفصيلاً سرديا.
الشاعر يقول
(تسأل صديقي الذي أفاض يُحدق في عيون (زها)…)
ثم
(لم أفهم… قال صديقي بتوجسٍ…)
وبذلك تتحول القصيدة من مونولوج رثائي إلى مشهد حواري.
الصديق يمثل القارئ الذي قد يجد نفسه أمام نص شديد الكثافة ولا يفهم كل طبقاته.
لكن الشاعر لا يقدم له تفسيرا مدرسيا بل يجيبه بمزيد من الشعر.
وهذا مقصود لأن القصيدة لا تريد أن تقول هذه هي زها وإنما تريد أن تجعل القارئ يختبر غيابها.
تاسعاً: (كان علينا…) بوصفها لازمة للندم
من أجمل البناءات الإيقاعية والدلالية في النص تكرار
(كان علينا الكثير ممّا كان…
يجبُ… وكان!
ثم
(أن نَفطمَ فم الليلِ من حليب الضوءِ…)
هذه العبارة تكشف جوهر الرثاء الندم على الأشياء التي لم نفعلها قبل الرحيل
فالموت لا يسرق الإنسان وحده إنه يسرق معه كل ما كان يمكن أن نقوله له وكل ما كان يمكن أن نفعله وكل الصور التي كان يمكن أن نلتقطها وكل الوداعات التي لم تحدث.
وهذا ما يجعل القصيدة إنسانية لا معمارية فقط.
عاشراً: خاتمة القصيدة… الندم بوصفه حجرا
النهاية شديدة الأهمية
(كيفَ … نُساوي ما بينَ النَّدَمِ القادمِ
وما بينَ النَّدمِ المَحشوِّ
في قشرةِ … حجرٍ أسودَ)
هنا تنتقل القصيدة من رثاء زها إلى سؤال وجودي.
هناك ندم قادم أي الندم الذي سيولد مع مرور الزمن وهناك ندم متحجر محفوظ داخل الذاكرة كأنه حُشر في حجر أسود.
والحجر في سياق قصيدة عن مهندسة معمارية ليس اعتباطيا.
إنه المادة التي تبقى بعد رحيل الإنسان.
فالإنسان يموت لكن الحجر يحتفظ بظله.
وزها نفسها في هذا السياق ليست فقط امرأة ماتت إنها امرأة تركت وراءها حجراً ومباني وخطوطا وفضاءات وذاكرة عالمية.
البناء الفني للقصيدة
القصيدة تعتمد على قصيدة النثر ذات النفس الطويل، لكنها لا تخلو من موسيقى داخلية واضحة مصدرها
- التكرار.
- التوازي.
- التقطيع.
- كثرة علامات الحذف.
- الأسئلة المتلاحقة.
- التضاد بين الماء والحجر الضوء والعتمة الحياة والموت الذاكرة والنسيان.
- الانتقال بين السرد والتأمل والحوار والاقتباس.
وعلامات الحذف (…) تؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية فهي تجعل الجملة تتعثر قبل أن تكتمل وكأن اللغة نفسها غير قادرة على استيعاب الفقد.

اللغة والصورة
لغة حسن عبد الحميد هنا لغة كثيفة متراكبة مشبعة بالمجاز والإحالات الثقافية.
لكن قوة اللغة هي في الوقت نفسه موطن خطورتها.
ففي بعض المقاطع تبلغ الصورة درجة عالية من الابتكار مثل
(فم الليل من حليب الضوء)
و
(دجلة فوق مراثيه)
و
(الموت… نظاراته الطبية)
بينما تتراكم في مواضع أخرى صور كثيرة متجاورة إلى درجة قد تُرهق المتلقي لأن كل صورة تطلب منه أن يتوقف عندها بينما الصورة التالية تكون قد وصلت بالفعل.
وهذا ليس ضعفا فنيا بالضرورة لكنه يجعل النص قصيدة للقارئ المتأني لا للقراءة العابرة.
زها حديد في مرآة الشاعر
الأجمل في القصيدة أن الشاعر لم يحاول أن يجعل زها (موضوعا للرثاء) فقط بل جعلها جزءا من أسلوب القصيدة نفسها.
زها في العمارة كانت تهدم استقامة الخط.
والشاعر هنا يهدم استقامة الجملة.
زها كانت تصنع من الانحناء لغة.
والشاعر يصنع من الالتواء والانزياح هندسة لغوية.
زها كانت تحوّل الخرسانة إلى حركة.
والشاعر يحاول تحويل اللغة إلى عمارة من الماء والضوء والذاكرة.
ومن هنا يمكن القول إن القصيدة لا ترثي زها فحسب بل تحاول أن تكتب قصيدة (زهاوية) أي قصيدة تقوم على الانحناء والحركة والمفاجأة وكسر المألوف.

خلاصة القراءة
(فيما يحايث الرثاء) ليست قصيدة بكاء على رحيل زها حديد وإنما هي مرثية للعبقرية العراقية حين تغادر المكان الذي لم يعرف كيف يحتفظ بها.
زها عند حسن عبد الحميد ليست مجرد مهندسة ماتت في 2016 إنها دجلة والماء والخرائط والبياض والعمارة والطفولة والعناد والذاكرة.
ولهذا لا ينتهي النص عند الموت بل ينتهي عند الندم.
فالموت أغلق عيني زها لكنه لم يغلق خرائطها.
والعراق أخفق في احتضان عبقريتها لكن العالم احتفظ بأشكالها.
أما الشاعر فاختار أن يحتفظ بها بطريقة ثالثة أن يجعل من اسمها قصيدة.
ولعل أجمل مفتاح لقراءة النص كله يكمن في عبارته
(كيف ينساب دجلةُ فوق مراثيه
في زهوِ… زها… العنيدةِ)
فدجلة هنا لا يبكي زها إنه يحملها معه.
وهذه في تقديري هي الفكرة العميقة التي تنتصر لها القصيدة.
الذين يرحلون بالجسد قد يبقون في حركة الأشياء من حولنا وزها التي جعلت العمارة تبدو كأنها ماء كان من الطبيعي أن يبقى أثرها جارياً .. كدجلة
*كاتب وناقد عراقي




