‏آخر المستجداتفنون وثقافة

ديوان “سيدة الإعجاز” شعر يلامس الجمر… ويعبر الضوء

كتبت: د. لمى سخنيني ـ

تكشف قراءة ديوان «سيدة الإعجاز» الصادر عن دار العائدون للنشر بالأردن 2026 للشاعرة فوزية رفيق الحيضوري عن شعر يلامس الجمر ويعبر إلى الضوء.
في هذا الديوان تتخذ القصيدة شكل السؤال الكبير:سؤال الوطن حين يضيق الأفق، وسؤال المرأة حين يصادَر الحلم، وسؤال الإنسان وهو يقف في مفترق الجمر باحثا عن معنى الصمود.
بصوت شعري نابض تمزج الشاعرة بين التأمل الفلسفي والوجع الإنساني، بين سيرة الوطن وقضية المرأة، بين عشق اللغة وحرقة الواقع . تستحضر حكايات الطفولة الموءودة، وتواجه قسوة العادات، تستنطق  الذاكرة الوطنية لتجعل من الكلمة فعل مقاومة، ومن القصيدة وعدا بالإشراق.
فوزيةرفيق الحيضوري شخصية شعرية وإنسانية ثرية، تتجاوز حدود البوح الذاتي إلى فضاءات الفكر والنضال والالتزام بقضايا الإنسان والوطن…..  لا تكتفي بوصف المشاعر أو تسجيل الانفعالات العابرة، وإنما هي صوت شعري يحمل رؤية للحياة، وتجعل من القصيدة وسيلة للتأمل والمساءلة والمقاومة.

تظهر الشاعرة منذ الصفحات الأولى شخصية قلقة بالمعنى الإيجابي للكلمة؛ قلقها نابع من رغبتها الدائمة في البحث عن الحقيقة واستكشاف المعنى. إنها تقف عند مفترقات الوجود، وتتساءل عن مصير الإنسان في عالم مضطرب، فتقول:

أيُّ ممرٍّ أعبرُ
وأنا في مفترقِ الجمر؟

……

أيها البحر
أنت بداية الدهشةْ
وسؤال الحيرةْ

أول ما يلفت الانتباه في شخصيتها هو النزعة التأملية العميقة فهي لا تقدم أجوبة جاهزة بقدر ما هي تثير الأسئلة. إنها شخصية قلقة فكريًا، تؤمن بأن الحقيقة ليست معطى نهائيًا، وإنما رحلة بحث دائمة، لذلك تتكرر في نصوصها أسئلة المصير والحرية والاختيار والعدالة، وتبدو وكأنها تخوض حوارًا مستمرًا مع العالم ومع ذاتها في آن واحد. هذا القلق المعرفي -الذي هو أكثر من كونه مجرد تعبير عن المشاعر- يمنح تجربتها الشعرية بعدًا فلسفيًا واضحًا، ويجعل القصيدة لديها وسيلة لاكتشاف الوجود والتنبؤ بالمستقبل من خلال استشفاف الماضي وفهم الأسطورة ومعانيها وتبني رموزها. تقول:

كم يلزمني
لأطهر نفسا منغمسة
في تيَهان الأبديّهْ؟
كم يلزمني
لأحتسي ضياء الكون،
بحثا عن تفاصيلي الصغيرةْ؟
…..
ومن جهة أخرى، تتجلى الشاعرة في صورة المناضلة التي لا تنفصل عن قضايا مجتمعها. فوعيها الوطني حاضر بقوة في الديوان، حيث تستحضر محطات من تاريخ الوطن وما رافقها من تضحيات وآلام وآمال مؤجلة. وهي تنظر إلى الوطن بوصفه كائنًا حيًا يفرح ويتألم وينتظر الخلاص، لذلك يصبح الشعر لديها شكلاً من أشكال الشهادة على العصر، ووسيلة للدفاع عن القيم الإنسانية والكرامة والحرية. 

كما تكشف النصوص عن شخصية حقوقية وإنسانية حساسة تجاه معاناة المرأة. فالمرأة في شعرها ليست موضوعًا عابرًا، بل قضية مركزية. وهي تقدمها باعتبارها كائنًا يحلم ويقاوم ويعاني من قيود اجتماعية وثقافية متراكمة. ومن خلال استحضارها لنماذج مثل أمينة الفيلالي وغيرها من صور القهر النسائي، تعبر الشاعرة عن رفضها لكل أشكال الظلم الممارس ضد النساء، وتؤكد إيمانها بحق المرأة في الحرية والكرامة وتحقيق الذات. 

ويتسع أفق الشاعرة فوزية ليشمل القضايا الإنسانية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فالشاعرة لا تكتفي بالتعاطف الوجداني، بل تتبنى موقفًا أخلاقيًا واضحًا من المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين التاريخية وخارجها في مواطن اللجوء. وتتحول القصيدة عندها إلى صوت للمقاومة والصمود وإدانة للظلم، مما يعكس شخصية منحازة إلى قيم العدالة والحق وكرامة الإنسان أينما كان، فشعب فلسطين هنا هو شعبها ومأساته مأساتها وصوته المقموع هنا هو صوتها المقاتل. 

يَا غَزَّةَ هاشم

تقاومين، لا تستسلمين

تصرخين، لا ترضخين

أما على المستوى النفسي، فتبدو الشاعرة شخصية مرهفة الحس، شديدة الارتباط بالعاطفة والجمال. فهي عاشقة للطبيعة والبحر والضوء واللغة، وتستثمر هذه العناصر في بناء عالمها الشعري. غير أن هذه الرهافة لا تجعلها شخصية منكسرة أو مستسلمة، بل تمنحها قدرة أكبر على استشعار الألم وتحويله إلى طاقة إبداعية. ولذلك نجد أن الحزن في شعرها لا يقود إلى اليأس، بل إلى التمسك بالأمل، وأن الجراح تتحول إلى مصدر للقوة والتحدي. 

إذا الصمودُ

يستوطن الروح

يرفض النسيان

يترك الأبواب مشرعة

فوانيس على الجدران.

وتبرز كذلك شخصية المثقفة المدافعة عن اللغة العربية، المؤمنة بقيمتها الحضارية والجمالية. فاللغة في الديوان ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي جزء من الهوية والانتماء. ويظهر هذا الوعي في احتفائها بالتراث البلاغي العربي واستدعائها للرموز الثقافية والأدبية، وفي حرصها على توظيف لغة شعرية غنية بالإيحاء والرمز والصورة.

وفي المحصلة، هذا الديوان ليس مجرد نصوص شعرية بل رحلة في أعماق الروح حيث يتحول الألم إلى وعي والحزن إلى قوة والصمت إلى صرخة تضيء العتمة ،هو ديوان لكل من يؤمن  أن الحرف أقوى من الرصاص  وهو يرسم  صورة لشاعرة تجمع بين الفكر والإحساس، بين النضال والإبداع، وبين الهمّ الشخصي والهمّ الجماعي. فالشاعرة هنا وفي قصائدها خارج هذا الديوان، سيدة تؤمن بأن الكلمة موقف، وأن الشعر رسالة قبل أن يكون فناً، وأن الإنسان والمرأة بشكل خاص قادرة على مواجهة القهر والانكسار ما دامت تحتفظ بالأمل وبالقدرة على الحلم. ومن هنا تبدو فوزية رفيق الحيضوري شاعرة للضوء وسط العتمة، وللصمود وسط الانكسارات، وللأمل الذي يرفض أن ينطفئ مهما اشتدت الرياح.إنها شاعرة النور.

*”سيدة الإعجاز” ، فوزية رفيق، دار العائدون للنشر  بالأردن 2026

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button