
ـ حاورته: سارة معلاغ ـ

فرصة مميزة أن نصغي إلى الباحث والكاتب المغربي الدكتور Ayoub Bouhouhou، وهو يستعرض تجربته بين البحث الأكاديمي والكتابة الروائية، ويقارب من خلال روايته “نور” أسئلة الإنسان والذاكرة، وما يرتبط بهما من جرح نفسي داخل الفضاء الأسري. يشغل الدكتور أيوب بوحوحو منصب أستاذ بقسم اللغة والأدب الفرنسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، كما يتولى إدارة مختبر LIMPACT، وينسق التكوين الدكتورالي “الخطاب والترجمة والتراث”. وهو باحث وكاتب مهتم أيضًا بالسينما، حيث يشتغل على تقاطعات الأدب والصورة، وعلى تمثلات المرأة في السينما والسمعي البصري بالمغرب، كما يتجلى في كتابه “Dictionnaire des femmes dans le cinéma et l’audiovisuel au Maroc”.
في هذا الحوار، نناقش معه مساره الأكاديمي، وانتقاله إلى الكتابة الروائية، كما نتوقف عند رواية “نور” وما تحمله من قضايا إنسانية عميقة، مرتبطة بالصمت، والذاكرة، والعلاقات الأسرية.
س: باعتباركم أستاذاً جامعياً وباحثاً في المجال الأكاديمي، كيف جاءت فكرة الانتقال إلى الكتابة الروائية؟
ج: منذ مساري في الدراسة الجامعية وأنا أشتغل على الرواية، حيث كان أول بحث دكتوراه أنجزته في فرنسا متمحورًا حول الرواية وأعمال الكاتب Émile Zola. وبعد التحاقي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، واصلت هذا الاشتغال من خلال تدريس الرواية وتحليل النصوص الأدبية وفق مقاربة سيميائية وسينمائية، بحكم كوني أستاذًا في هذا التخصص. وتكتسي المقاربة السيميائية أهمية خاصة في مساري الأكاديمي، لأنها لا تقتصر على تحليل النصوص الأدبية فقط، بل تمتد أيضًا إلى دراسة الصورة السينمائية والسمعية البصرية، وهو ما وسّع من أدواتي في فهم مختلف أشكال التعبير.
وقد كان انتقالي من تحليل النصوص الأدبية إلى الكتابة الروائية انتقالًا تدريجيًا وغير إرادي، تشكّل مع مرور الوقت بفعل انشغالي المستمر بالكتابة وتفاعلي معها. في البداية، كنت أطمح إلى إنجاز مشروع ذي طابع سينمائي، غير أن هذه الفكرة تحوّلت لاحقًا إلى كتابة روائية، متأثرًا بهذا البعد البصري، حيث كنت أتصوّر الشخصيات وأسمع أصواتها أثناء الكتابة، وكأنني أُخرج مشاهد حية. وعندما شرعت فعليًا في كتابة الرواية، لم أجد صعوبة تُذكر، بفضل تكويني الأكاديمي ومعرفتي بآليات الكتابة الروائية، مما منحني سلاسة وثقة في خوض هذه التجربة الإبداعية.
س: هل هناك فرق بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الروائية؟
ج: نعم، هناك فرق كبير بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الروائية. فعندما نشتغل في التحليل الأكاديمي للنصوص، يكون الهدف هو الفهم والتفسير، أي محاولة الدخول إلى عالم الشخصية والنص لفهم كيفية تفكير الكاتب وبناء العمل الأدبي، وبالتالي يظل الباحث في موقع التحليل والقراءة النقدية للنص.
أما في الكتابة الروائية، فالوضع مختلف تمامًا، لأن الكاتب لا يكتفي بقراءة النص أو تفسيره، بل ينتقل إلى إنتاجه من الداخل، حيث يحوّل أفكاره وتجربته إلى عمل إبداعي، مع مراعاة أثره على القارئ وطريقة تفاعله معه. وهنا يتحول القارئ في العمل الأكاديمي إلى متلقٍ لتفسير الباحث، بينما في الكتابة الروائية يصبح الكاتب في مواجهة تجربة ذاتية وشعورية كاملة، ينتقل فيها من موقع التحليل إلى موقع الإبداع، وهو ما يغيّر جذريًا طبيعة العلاقة مع النص.
س: لو طلبت منكم تقديم فكرة عامة عن الرواية، كيف يمكن تحددوها ؟ وما الذي يميزها عن باقي الروايات؟
ج: تدور هذه الرواية، باعتبارها أول تجربة روائية لي، حول محاولة التعبير عن مجموعة من المشاعر والأحاسيس الإنسانية، سواء تلك التي عشتها شخصيًا أو التي استلهمتها من تجارب الآخرين ومن أحاديث الأصدقاء. وهي تسرد معاناة طفلة تنشأ في وسط عائلي مضطرب، تعيش خلال طفولتها تجربة قاسية في مرحلة كان يفترض أن تحظى فيها بالرعاية والاهتمام، غير أن هذا النقص العاطفي يترك آثارًا عميقة على شخصيتها وعلى مسار حياتها مستقبلاً، خاصة داخل علاقتها بالأسرة. وتبرز الرواية بشكل خاص دور الأم والأب في التنشئة، حيث تؤكد على أن العلاقة بين الأم وابنتها علاقة أساسية لا يمكن تعويضها بسهولة، غير أن الأم في هذا العمل تظهر كشخصية باردة عاطفيًا تفتقد للحنان والحس الإنساني، مما يجعلها غير قادرة على احتواء ابنتها أو فهم معاناتها، في حين لا يستطيع دور الأب رغم محاولاته أن يعوض هذا الغياب العاطفي. ومن هنا تطرح الرواية فكرة أن نقص الحنان في الطفولة لا يظل محصورًا في تلك المرحلة فقط، بل يمتد أثره إلى المستقبل، بحيث يمكن أن ينعكس على حياة الابنة عندما تصبح أماً بدورها، فتجد صعوبة في إعادة إنتاج نفس الدفء العاطفي، وهو ما ينسجم مع فكرة أن “فاقد الشيء لا يعطيه” في بعدها الإنساني العميق داخل العلاقة الأسرية.
س: Wioline هي الشخصية الرئيسية في الرواية هل يمكن أن تحدثونا أكثر عن كيفية بنائها نفسياً وإنسانياً؟
ج: اسم شخصية ويولين مشتق من كلمة “الويل”، وهو يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالألم، إذ يُفهم منه “V ×2”،ما يعكس معاناة مزدوجة تعيشها الشخصية التي لم تتعافَ من ماضيها، بل ظل يلاحقها بشكل مستمر. وقد نشأت في وسط عائلي غير متوازن لا يوفر لها الحماية أو الاحتواء العاطفي الكافي، حيث غاب التوازن بين دور الأب والأم، ويتجلى هذا منذ الفصل الأول من الرواية من خلال تفاصيل رمزية، إذ كان الأب يقوم بتقشير البصل داخل المنزل، فيصبح البصل هنا رمزًا لبيت يبكي من الألم بصمت، وكأن الدموع حاضرة في الفضاء رغم غياب التعبير عنها، مما يعكس هشاشة الجو العائلي من الداخل. وفي هذا السياق، تلج ويولين إلى الحمّام لتغسل “الويل” الذي وقع عليها، في إشارة رمزية إلى محاولة التطهر من أثر الصدمة، غير أن هذا الألم يظل ملازمًا لها ولا يغادر بسهولة، لأن الجرح أعمق من لحظة معينة، بل ممتد داخل تجربتها الإنسانية والنفسية.
س:هل فكرة هذه الرواية مستمدة من واقع معين، أم أنها نابعة من خيال أدبي محض؟
ج: يمكن القول إن فكرة هذه الرواية تجمع بين الواقع والخيال في الآن ذاته، فهي نابعة من تجربتي في قراءة الروايات ودراستها، لكنها تقوم أيضًا على خيال واسع، إذ أشتغل على تخيّل الشخصيات ومحاولة العيش معها والتقمص النفسي لها، سواء تعلق الأمر بشخصية الأب أو الأم أو الابنة، حيث أسعى إلى الدخول إلى عوالمهم الداخلية ومعايشة ما يمرون به من تجارب. غير أن بعض الشخصيات تخرج أحيانًا عن سيطرة الكاتب، كما حدث مع الشخصية الرئيسية “نور”، التي فرضت مسارها داخل النص بشكل غير متوقع. وفي هذا السياق، جاء قرار قتل شخصية الأب داخل الرواية اختيارًا سرديًا نابعًا من قناعة بأن موته سيكون أكثر دلالة من استمراره في وضعية الضعف، كما أنه يفتح المجال أمام الأم لمواجهة حياتها بشكل مختلف، خاصة في غياب الزوج، وهو ما سيتم التطرق إليه بشكل أعمق في الجزء الثاني من الرواية، من خلال تتبع كيفية تعايشها مع هذا التحول داخل البنية الأسرية. بحكم انتمائي إلى جمعية “Les Amis de Zola” بالولايات المتحدة الأمريكية، ومشاركتي في اللقاءات العلمية التي تُنظم كل ثلاث سنوات حول أعمال Émile Zola، فقد تأثرت بشكل واضح بمشروعه الروائي، خاصة سلسلة “Les Rougon-Macquart”، التي تقوم على فكرة الاشتغال المتواصل على الرواية ضمن رؤية متكاملة. وبطبيعة الحال، لا يمكنني الاشتغال بنفس الوتيرة التي كان يكتب بها زولا، نظرًا لانشغالاتي الأكاديمية والمهنية، غير أن مشروعي الروائي يسير في اتجاه بناء عمل يمتد عبر أجزاء، حيث أعمل على تطوير بعض الشخصيات ومنحها عمقًا أكبر من خلال تخصيص أعمال مستقلة لها، كما هو الحال مع شخصية الأم “Dolores”، التي يمكن أن تتحول إلى محور رواية لاحقة ضمن نفس المشروع. وفي هذا السياق، أستحضر أيضًا النقاش الذي طرحه زولا حول فكرة الحتمية والوراثة، حيث كان يرى أن الإنسان يعيش وفق ما ورثه من صفات وطبيعة عن والديه، غير أنني أتعامل مع هذه الفكرة بشكل مغاير داخل روايتي، إذ أحاول كسر هذا الامتداد الحتمي، خاصة على المستوى النفسي، من خلال السعي إلى إيقاف ما يمكن تسميته بـ“اللعنة الوراثية” التي تنتقل عبر الأجيال، ليس كمرض جسدي، بل كمعاناة نفسية عميقة. لذلك، أسعى من خلال هذا العمل إلى جعل هذه الدائرة تنكسر عند شخصية ويولين.
س: يلعب الصمت دوراً مركزياً في الرواية، خصوصاً من خلال شخصية الأم Dolores هل تعتقدون أن الحوار والتواصل كان من الممكن أن يغير مسار الأحداث؟
ج: يمكن القول إنه كان من الممكن أن يغيّر مسار الأحداث، وفي الوقت نفسه لم يكن كذلك، لأن الصمت كان أقوى من الحوار داخل هذا السياق. فلو كان هناك تواصل حقيقي، لربما تغيّرت بعض الوقائع أو على الأقل خفّت حدّتها، غير أن الصمت حين يطول يتحول إلى عنصر مُدمّر. ويمكن تشبيه ذلك بإناء الضغط (الكوكوت) الذي يحتفظ بالحرارة ويتراكم داخله الضغط تدريجيًا، فإذا لم يتم تفريغه في الوقت المناسب فإنه ينفجر، وهذا ما وقع داخل الرواية، حيث أدى غياب الحوار، خاصة من طرف الأم، إلى تراكم الألم والمشاعر المكبوتة إلى أن بلغت مرحلة الانفجار. لذلك، فالصمت هنا لم يكن مجرد غياب للكلام، بل كان عاملًا حاسمًا في توجيه الأحداث نحو هذا المصير.
س: نلاحظ أن الرواية مقسمة إلى فصول أو مقاطع، يصل عددها إلى حوالي 39 فصلاً. هل لتجربتكم في مجال السينما تأثير على هذا الأسلوب في الكتابة؟
ج: اختياري لعدد الفصول في الرواية، والذي وصل إلى 39 فصلًا، لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل يحمل دلالة شخصية، إذ يرتبط أيضًا برقم منزلي، ولذلك فضّلت أن يكون بناء الرواية قائمًا على هذا العدد. في البداية، انطلقت الكتابة من خلال فصول معنونة، حيث كنت أشتغل على كل عنوان بشكل عميق قبل الدخول إلى تفاصيل السرد، ومع مرور الوقت تطورت الطريقة إلى بناء سردي أكثر تنظيمًا، ينسجم مع إيقاع الأحداث وتدرّجها.
كما أن هناك تأثيرًا واضحًا لبعض التجارب الروائية الكلاسيكية، خاصة عند Émile Zola في رواية Germinal، حيث نجد بداية قاتمة في فضاء بارد ومظلم، وشخصيات تدخل في ظروف قاسية بحثًا عن الحياة والعمل، وهو ما يعكس طريقة في بناء الجو العام للرواية عبر التوتر والتدرج. ومن هذا المنظور، حاولت أن أجعل البداية عندي أيضًا تحمل نفس الإحساس بالدخول التدريجي إلى العالم الروائي، حيث تأتي الشخصية وهي تحمل معها مسارها الخاص وتدخل في صيرورة التحول.
كما أن هذا التقسيم إلى فصول يظل مهمًا أيضًا من زاوية القارئ، لأنه يسمح له بالعودة إلى الفهرس واسترجاع الأحداث بشكل تدريجي ومنظم، مما يساعد على إعادة بناء مسار السرد وفهم تطور الشخصيات والأحداث داخل كل فصل.
س: اخترتم أن تكون نهاية الرواية مفتوحة، هل كان ذلك مقصوداً؟
ج: اخترت أن تكون نهاية الرواية مفتوحة بشكل واعٍ، لأنني أردت أن أترك للقارئ مساحة ليكمل الأحداث ويعيد تشكيل النهاية حسب قراءته الخاصة وتخيله الشخصي. فالنهاية المفتوحة تجعل النص قابلاً لتأويلات متعددة، حيث يختلف تلقيه من قارئ إلى آخر، وكل قارئ يبني نهايته الخاصة انطلاقًا من تجربته وفهمه للشخصيات.
كما أن هذا النوع من النهايات يمنح الرواية امتدادًا في ذهن القارئ، بحيث لا تنغلق بمجرد انتهاء الصفحات، بل تستمر في الاشتغال داخله عبر التفكير والتأمل. أما إذا كانت النهاية مغلقة ومحددة بشكل نهائي، فإن القارئ غالبًا ما يغلق النص معه، بينما النهاية المفتوحة تبقيه حاضرًا في الذاكرة وتدفعه إلى إعادة التفكير فيه باستمرار.
س: عندما نتحدث عن أعمالكم، نلاحظ حضوراً قوياً لقضية المرأة، سواء في البحث أو في الكتابة. ما سبب هذا الاختيار؟
ج: في الحقيقة، لا أستطيع تحديد سبب دقيق لهذا الاختيار، وربما يعود ذلك إلى نوع من الحب والاهتمام بالمرأة. فمنذ مرحلة الإجازة اشتغلتُ على موضوع “ليلى والذئب”، ثم في الدكتوة واصلتُ الاشتغال على الرواية، خاصة من خلال رواية Au Bonheur des Dames للكاتب Émile Zola، وهو ما جعلني أستمر بشكل تلقائي في هذا المسار دون تخطيط مسبق. وربما يرتبط هذا التوجه أيضًا باحترام كبير أكنّه للمرأة وتقدير لدورها، وهو ما دفعني إلى الدفاع عنها في كتاباتي، سواء في المجال الأكاديمي أو في مجالات أخرى، مثل اشتغالي على صورة المرأة في الموضة من خلال عدة مقالات. كما أن حضورهـا في أعمالي الروائية جاء امتدادًا طبيعيًا لهذا الاهتمام، الذي تشكّل بشكل عفوي أكثر منه اختيارًا منهجيًا. واليوم، ورغم هذا التركيز، بدأت أفكر أيضًا في تناول قضايا الرجل، من أجل مقاربة أكثر توازنًا وشمولية في الكتابة.
س: أشرتم إلى أنكم تفكرون في تناول قضايا الرجل أيضًا، خاصة وأن المجتمع يقوم على توازن بين الطرفين. وفي هذا السياق، نلاحظ أن الخطاب المعاصر يركز بشكل كبير على قضايا المرأة، وهو أمر مهم، غير أنه قد يؤدي أحيانًا إلى تهميش قضايا الرجل أو وضعه في صورة سلبية. كيف تنظرون إلى هذا التوازن في الطرح؟
ج: في نظري، الأساس هو تحقيق نوع من التوازن، بحيث تُحترم المرأة كما يُحترم الرجل، دون أن يتم تفضيل طرف على حساب الآخر أو السقوط في تعميمات غير دقيقة. فالمجتمع يقوم على التكامل بين الطرفين، وليس على الصراع بينهما. وفي هذا السياق، ينبغي الانتباه إلى بعض الخطابات التي تُروَّج اليوم، سواء من خلال السينما أو المنصات الرقمية، حيث تحمل أحيانًا أبعادًا إيديولوجية واضحة، كما نلاحظ في بعض الأعمال مثل فيلم Barbie أو عبر محتويات تُعرض على Netflix، وهو ما يفرض ضرورة توعية الشباب وتنمية وعيهم النقدي. فالمشكل في تقديري هو أننا ما زلنا نفتقر إلى ثقافة سمعية بصرية حقيقية، تجعلنا غير قادرين على قراءة هذه الأعمال وفهم الرسائل التي تحملها. لذلك، من المهم الانتباه لان الروايات والأفلام لا تنقل فقط الترفيه، بل تسوّق أيضًا أفكارًا قد لا تكون كلها صحيحة، وقد يكون لها تأثير سلبي على وعي الأفراد والمجتمع إذا لم يتم التعامل معها بنوع من الوعي والتحليل.





