
ما ينجزه الأستاذ محمد الضو السراج لا يمكن اختزاله في فعلٍ صحفي عابر، بل يتبدّى كتمرين إبستمولوجي على تخوم التاريخ والأنثروبولوجيا، حيث تتحول الكتابة إلى مساءلة مزدوجة للذاكرة والسلطة، وللوقائع كما رُويت ولما أُخفي منها.
إن هذا الأفق يضع عمله في تماسٍ مباشر مع ما يسميه بول ريكور بـ”جدلية الذاكرة والنسيان”، حيث لا يكون التوثيق مجرد تجميع للأرشيف، بل فعل تأويلي يعيد ترتيب الزمن داخل سردية تمنح المعنى لما بدا متناثرًا أو صامتًا.
منذ اشتغاله على سيرة امحمد بوستة، ثم انتقاله إلى شخصية إسماعيل العلوي، كان السراج يؤسس لما يشبه “أرشيفًا مضادًا” بالمعنى الذي يقترحه ميشيل فوكو، أي تفكيك البنيات الخطابية التي احتكرت رواية التاريخ السياسي، وإعادة توزيع الصوت على فاعلين ظلوا في الهامش أو في مناطق الصمت. من تمة، لا يعود التاريخ خطًا متصلاً، بل شبكة من الانقطاعات والاختلالات التي تتطلب قارئًا يقظًا، وكاتبًا قادرًا على التقاط ما يسميه فوكو “اللامفكَّر فيه”.
في كتابه حول شمعون ليفي، يذهب السراج أبعد من مجرد التأريخ لشخصية سياسية؛ إنه ينخرط في ما يمكن وصفه، مع كليفورد غيرتز، بـ”الوصف الكثيف”، حيث لا تُفهم الوقائع إلا داخل سياقاتها الرمزية والثقافية. فشمعون ليفي لا يظهر هنا كفرد معزول، بل كعقدة دلالية تتقاطع فيها أسئلة الهوية، والانتماء، والالتزام الإيديولوجي، والتاريخ اليهودي المغربي في لحظة مفصلية من تشكل الدولة الوطنية.
إن استحضار قضايا مثل ترحيل اليهود المغاربة أو التوترات المرتبطة بالشرق الأوسط لا يتم بوصفها أحداثًا خارجية، بل كعناصر بنيوية في تشكيل الوعي السياسي المغربي.
ومن زاوية أخرى، يقترب هذا العمل من مفهوم “التاريخ من الأسفل” الذي بلوره إريك هوبزباوم، حيث يُعاد الاعتبار لأصوات الفاعلين غير المهيمنين، وللتجارب التي لم تُؤرشف رسميًا بنفس القدر. إن ليفي، في هذا السياق، ليس مجرد شاهد على زمنه، بل فاعل في إعادة تشكيله، وهو ما يمنح الكتاب طابعًا حواريًا، يتجاوز السرد الأحادي إلى تعددية الأصوات والمرجعيات.
أما من حيث المنهج، فإن السراج يبدو قريبًا من تصور جاك دريدا للأرشيف باعتباره فضاءً للسلطة بقدر ما هو مخزن للذاكرة؛ فاختياره للوثائق، وطريقة عرضها، والانفتاح على الصور والسجالات، كلها ممارسات تفكك وهم الحياد، وتكشف أن كل كتابة تاريخية هي، في جوهرها، إعادة كتابة مشروطة بسياقات الحاضر.
هكذا، يغدو كتاب “شمعون ليفي: “المغاربة اليهود وسؤال الهوية” أكثر من مجرد سيرة أو دراسة؛ إنه نصٌّ يقاوم الاختزال، ويؤسس لفهم مركّب للهوية المغربية بوصفها فضاءً تعدديًا، متوترًا، وغنيًا في آن. وفي هذا المعنى، يلتقي السراج مع أطروحات بنديكت أندرسون حول “الجماعات المتخيلة”، حيث تتشكل الأمة لا فقط عبر الحدود الجغرافية، بل من خلال سرديات متنازعة، تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع المخيال الجماعي.
إن قوة هذا العمل تكمن في كونه لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يعيد مساءلته في ضوء الحاضر، جاعلًا من الكتابة التاريخية فعلًا نقديًا بامتياز، ومن الصحافة، في أرقى تجلياتها، ضربًا من التفكير الفلسفي في الزمن المغربي، لحظةً بلحظة، ووثيقةً بوثيقة.





