
كتب: محمد أمين بداوي ـ
شهد المشهد الإعلامي المغربي خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في عدد المنابر الإلكترونية وصفحات الأخبار المحلية، ما فتح الباب أمام بروز فئة من الأشخاص يقدمون أنفسهم كمراسلين صحفيين، رغم أنهم لا يتوفرون على صفة الصحفي المهني ولا يحملون البطاقة المهنية الصادرة عن المجلس الوطني للصحافة.
ورغم أن العديد من هؤلاء يمارسون دورًا إيجابيًا في نقل الأخبار المحلية وإبراز قضايا المواطنين، فإن غياب التأطير القانوني والمهني لدى جزء منهم خلق ممارسات أثارت الكثير من الجدل داخل الوسط الإعلامي.
ومن أبرز الإشكالات التي يثيرها هذا الواقع، تحول بعض المراسلين غير المهنيين إلى وسطاء للمصالح بدل القيام بدورهم الإعلامي. ففي بعض الحالات، يصبح الحصول على الإعلانات التجارية أو الرعاية المالية هو الهدف الأساسي، حيث يتم استغلال التغطيات الإعلامية كوسيلة للضغط أو للمقايضة مع منتخبين، ومقاولين، وأصحاب شركات، أو مسؤولين محليين.
كما يعتمد البعض على نشر أخبار أو فيديوهات مثيرة بهدف رفع نسب المشاهدة وتحقيق عائدات من المنصات الرقمية، دون احترام قواعد التحقق من المعلومات أو منح حق الرد للأطراف المعنية. وفي حالات أخرى، تتحول صفة “مراسل” إلى وسيلة لتسهيل الولوج إلى الإدارات والفعاليات الرسمية أو لبناء علاقات شخصية تدر منافع مادية أو خدمات.
وتبرز كذلك ظاهرة الاعتماد على الإشهار غير المصرح به، حيث يتم نشر مواد دعائية في شكل أخبار أو تقارير صحفية دون الإشارة إلى أنها محتوى إعلاني، وهو ما يخل بمبدأ استقلالية العمل الصحفي ويؤثر على ثقة الجمهور.
في المقابل، يجد الصحفيون المهنيون الحاملون للبطاقة المهنية أنفسهم مطالبين باحترام مدونة أخلاقيات المهنة، والخضوع للمساءلة القانونية والتأديبية، بينما يمارس آخرون العمل الإعلامي دون الالتزامات نفسها، وهو ما يخلق نوعًا من المنافسة غير المتكافئة داخل القطاع.
غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن عدم حمل البطاقة المهنية لا يعني بالضرورة غياب المهنية أو النزاهة، كما أن بعض الصحفيين المهنيين قد يرتكبون بدورهم تجاوزات فردية. لذلك فإن المشكلة ليست في الصفة وحدها، بل في مدى الالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة.
إن إصلاح هذا الوضع يمر عبر تعزيز تنظيم قطاع الصحافة الإلكترونية، وتشجيع التكوين المستمر، وتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في الابتزاز أو انتحال صفة الصحفي أو استغلال العمل الإعلامي لتحقيق منافع شخصية، مع حماية حرية التعبير وضمان حق المواطنين في إعلام مهني، مستقل وذي مصداقية.
فالصحافة ليست وسيلة للارتزاق أو لتصفية الحسابات أو لتحقيق الامتيازات، وإنما هي رسالة تقوم على خدمة الحقيقة، واحترام أخلاقيات المهنة، والدفاع عن حق المجتمع في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والموثوقة.





