
كش بريس/التحرير ـ
لا تبدو الترشيحات التي حسم فيها حزب الأصالة والمعاصرة بجهة مراكش آسفي مجرد عملية تنظيمية عادية تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بقدر ما تعكس تحولات عميقة في هندسة التوازنات الداخلية للحزب، وتكشف عن توجهات سياسية جديدة يراد من خلالها إعادة رسم خريطة النفوذ داخل أحد أهم معاقله الانتخابية بالمغرب.
أولى الدلالات التي تثيرها هذه الترشيحات تتمثل في قرار المنسقة الوطنية للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، قيادة اللائحة البرلمانية بدائرة المدينة – سيدي يوسف بن علي. فهذا الاختيار يتجاوز البعد الانتخابي التقني إلى رسالة سياسية واضحة مفادها أن قيادة الحزب قررت خوض المعركة من قلب مراكش، باعتبارها القلعة السياسية والرمزية للأصالة والمعاصرة. كما يعكس رغبة في تحويل هذه الدائرة إلى واجهة لقياس الوزن الانتخابي الحقيقي للحزب وقيادته الوطنية في مواجهة خصومه السياسيين.
غير أن الحدث الأبرز لا يكمن فقط في الأسماء التي حضرت، بل في الأسماء التي غابت. فاستبعاد شخصيتين من حجم أحمد اخشيشن وسمير كودار لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تفصيل انتخابي عابر، بالنظر إلى الموقعين اللذين يحتلهما الرجلان داخل البنية التنظيمية والحزبية. فالأول يعد من مؤسسي التجربة الجهوية للحزب وأحد أبرز وجوهه التاريخية، فيما يمثل الثاني أحد أهم أركان التنظيم الجهوي والحزبي خلال السنوات الأخيرة.
هذا الغياب يطرح أسئلة عديدة حول طبيعة التحولات الجارية داخل “الجرار”: هل يتعلق الأمر بتجديد للنخب وإفساح المجال أمام وجوه جديدة؟ أم أنه تعبير عن إعادة توزيع مراكز القرار والنفوذ داخل الحزب؟ أم أن الأمر يدخل ضمن استراتيجية انتخابية تروم التخلص من بعض الأعباء المرتبطة بتدبير المرحلة السابقة؟
في المقابل، يظهر أن الحزب اختار الرهان على الاستمرارية في بعض الدوائر التي يعتبرها مضمونة نسبيا، من خلال تجديد الثقة في أسماء راكمت حضورا انتخابيا قويا، كما هو الحال بالنسبة لأحمد التويزي بالحوز، ومولاي هشام المهاجري بشيشاوة، ومحمد الرويجل باليوسفية. وهي أسماء تتمتع بامتدادات انتخابية وشبكات محلية تجعل الحزب أقل ميلا إلى المغامرة بتغييرها.
ويبرز ترشيح مولاي هشام المهاجري بدائرة شيشاوة باعتباره مؤشرا إضافيا على براغماتية الحزب، فالرجل ظل خلال السنوات الأخيرة من أكثر الوجوه إثارة للجدل داخل الأغلبية الحكومية وخارجها، غير أن الأصالة والمعاصرة فضل الاحتفاظ بورقة انتخابية أثبتت نجاعتها ميدانيا، واضعا الاعتبارات الانتخابية فوق الحسابات الأخرى.
أما في دائرة الصويرة، فإن التخلي عن أسماء الشعبي يحمل بدوره أكثر من رسالة. فالأمر يتعلق بواحدة من أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالحزب خلال السنوات الماضية، كما تنتمي إلى إحدى أشهر العائلات الاقتصادية بالمغرب. ولذلك فإن استبعادها قد يُقرأ باعتباره مؤشرا على تراجع منطق الرأسمال الرمزي والعائلي لصالح البحث عن مرشحين أكثر ارتباطا بالامتدادات المحلية والجماعية.
وعموما، تكشف لائحة الترشيحات بجهة مراكش آسفي عن توجه واضح نحو المزاوجة بين ثلاثة رهانات أساسية: تثبيت القيادة الوطنية في معاقلها التقليدية، والمحافظة على الأسماء ذات المردودية الانتخابية المؤكدة، وإعادة ترتيب الخريطة الداخلية للحزب عبر إبعاد بعض الوجوه التي طبعت مراحل سابقة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل رهينا بقدرة الحزب على تدبير تداعيات الغيابات المثيرة للانتباه، وعلى تحويل عملية إعادة الهيكلة الداخلية إلى مصدر قوة انتخابية بدل أن تصبح منطلقا لتوترات صامتة قد تظهر آثارها يوم الاقتراع.
وبهذا المعنى، فإن ترشيحات الأصالة والمعاصرة في جهة مراكش آسفي لا تعكس فقط استعدادا لخوض انتخابات تشريعية جديدة، بل تؤشر أيضا على صراع هادئ حول ملامح القيادة الحزبية المقبلة، وعلى محاولة لإعادة تعريف مراكز النفوذ داخل حزب يتهيأ، على ما يبدو، لمرحلة سياسية مختلفة عما عرفه خلال العقد الأخير.





