كش بريس/التحرير ـ
احتلت المملكة المغربية المركز الثاني ضمن قائمة تضم أكثر عشرة بلدان إفريقية قدرة على تحويل ذكاء مواردها البشرية ومؤهلاتها الفكرية إلى إنتاج ملموس، وفق تصنيف حديث لمنصة «The African Exponent» المتخصصة في التحليلات الاقتصادية ورصد الاتجاهات الاستثمارية والتنموية بالقارة.
ويكتسي هذا الترتيب دلالة تتجاوز مجرد تصنيف رقمي، بالنظر إلى أنه يضع الرأسمال البشري في صلب قياس القدرة الاقتصادية للدول، ويربط بين مستوى الذكاء والمهارات من جهة، وبين قدرة الاقتصاد والمؤسسات على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة وفرص إنتاج وابتكار من جهة أخرى. وتقدم المنصة نفسها باعتبارها فضاءً لتحليل اتجاهات الاقتصاد والاستثمار والأعمال في إفريقيا، مع تركيز متزايد على رأس المال البشري والاقتصاد الرقمي والابتكار.
ويعكس موقع المغرب في هذا الترتيب التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في المجالات الصناعية والتكنولوجية والرقمية. فقد انتقل جزء مهم من النموذج الاقتصادي المغربي من الاعتماد التقليدي على قطاعات مرتبطة بالموارد الطبيعية والفلاحة والسياحة إلى بناء منظومات إنتاجية أكثر ارتباطاً بالصناعة ذات القيمة المضافة، لاسيما صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية.
وتبرز صناعة السيارات، على سبيل المثال، باعتبارها إحدى أكثر التجارب دلالة على قدرة المغرب على تحويل الاستثمار في البنية التحتية والتكوين والموارد البشرية إلى إنتاج صناعي موجه إلى الأسواق العالمية. كما أصبح قطاع الطيران بدوره جزءاً من منظومة صناعية أكثر تعقيداً، تستقطب شركات ومصنعين وموردين متخصصين، بما يعزز انتقال الاقتصاد من مجرد استقطاب الاستثمارات إلى بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة.
ويأتي البعد الرقمي ليضيف طبقة جديدة إلى هذا التحول. فقد أصبح المغرب يعمل على توسيع البنية التحتية الرقمية وتطوير الخدمات الإلكترونية وتعزيز استعمال التكنولوجيا في الإدارة والاقتصاد، بالتوازي مع تنامي الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والبيانات والابتكار. وتكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد تقوده المعرفة والمهارات الرقمية، حيث أصبحت قدرة الدول على إنتاج الكفاءات واستبقائها وربطها بالقطاعات الإنتاجية عاملاً حاسماً في التنافسية.
وتنسجم هذه الصورة مع معطيات أخرى تعكس موقع المغرب المتقدم في بعض مؤشرات البنية الرقمية والاقتصاد المعرفي. فقد أشارت بيانات منشورة خلال 2025 إلى أن المغرب كان يتوفر على 12 مركز بيانات تشغيلياً، ليحتل المرتبة الخامسة إفريقيا في هذا المجال، خلف جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر، وهو ما يعكس توسع البنية التحتية التي تشكل قاعدة ضرورية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
كما أن حضور المغرب في التصنيفات الإفريقية المرتبطة بالتعليم والمهارات ليس جديداً. ففي يوليوز 2025، وضع تصنيف آخر لـ«The African Exponent» المملكة في المرتبة الثانية إفريقيا من حيث جودة التعليم وإمكانية الولوج إليه، خلف مصر، مع الإشارة إلى الإصلاحات المرتبطة بالمناهج وتوسيع برامج العلوم والتكنولوجيا وتكوين المدرسين.
غير أن القراءة التحليلية لهذا التقدم تستدعي التمييز بين امتلاك الرأسمال البشري والقدرة على استثماره. فارتفاع مستوى التعليم أو اتساع قاعدة خريجي الجامعات لا يؤدي تلقائياً إلى إنتاجية أعلى، ما لم تتوفر منظومة قادرة على وصل الجامعة بمختبرات البحث والمقاولة وبحاجات السوق. ومن هنا تكتسب عبارة «استثمار ذكاء الشعب» أهميتها؛ لأنها تقيس، بصورة غير مباشرة، المسافة بين المعرفة والإنتاج.
ويبدو أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في تضييق هذه المسافة داخل بعض القطاعات، لكنه لا يزال يواجه تحديات بنيوية، أبرزها ضعف تحويل البحث العلمي إلى ابتكار تجاري، ومحدودية الإنفاق على البحث والتطوير مقارنة بالاقتصادات الأكثر تقدماً، فضلاً عن استمرار مشكلة ملاءمة التكوينات الجامعية مع حاجات سوق الشغل.
وتزداد أهمية هذا التحدي مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي يعيد تعريف قيمة المهارات نفسها. فالمنافسة المقبلة بين الاقتصادات الإفريقية لن تدور فقط حول عدد المهندسين والجامعات ومراكز التكوين، وإنما حول قدرة كل دولة على بناء منظومة ذكاء تربط التعليم بالبحث العلمي والبيانات والصناعة وريادة الأعمال والتمويل.
وتشير تحليلات حديثة لـ«The African Exponent» نفسها إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي في إفريقيا بدأ يتخذ طابعاً أكثر ارتباطاً بالقدرة على التطبيق والإنتاج، وليس فقط بمستوى الوعي بالتكنولوجيا. كما رصدت المنصة تركّز تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناجحة في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية والاتصالات، حيث تتوافر البيانات والحوافز الاقتصادية الواضحة، بينما لا تزال قطاعات أخرى، مثل الصحة، تواجه عوائق مرتبطة بالتمويل والبنية التحتية.
ومن هذه الزاوية، فإن احتلال المغرب المركز الثاني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شهادة نهائية على التفوق في مجال الرأسمال البشري، بقدر ما يمثل مؤشراً على تحول تدريجي في طبيعة القوة الاقتصادية المغربية: من قوة تقوم أساساً على الموقع الجغرافي والبنية التحتية والاستقرار النسبي، إلى قوة تحاول إضافة المعرفة والمهارات والابتكار إلى مصادر تنافسيتها.
وتطرح المرتبة الجديدة، في المقابل، سؤالاً أكثر عمقاً حول المستقبل: هل يستطيع المغرب تحويل هذا الرصيد البشري إلى محرك مستدام للإنتاجية والابتكار، أم أن جزءاً من هذه الطاقات سيظل خارج الدورة الاقتصادية أو سيجد فرصه الأفضل في الخارج؟
فالرهان الحقيقي لا يكمن في احتلال مركز متقدم في تصنيف، وإنما في تحويل ذكاء المجتمع إلى قدرة إنتاجية، والجامعة إلى مختبر اقتصادي، والابتكار إلى صناعة، والمهارة إلى قيمة مضافة. وفي اقتصاد عالمي تتسارع فيه ثورة الذكاء الاصطناعي، قد تصبح هذه المعادلة واحدة من أكثر محددات القوة الاقتصادية للدول خلال العقد المقبل.
وبذلك، يحمل التصنيف الجديد دلالة تتجاوز الرقم: المغرب يراكم مؤشرات على انتقال تدريجي نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة، لكن نجاح هذا الانتقال سيظل رهيناً بقدرته على الانتقال من تكوين الذكاء إلى إنتاجه، ومن امتلاك الكفاءات إلى تمكينها، ومن استقطاب التكنولوجيا إلى إنتاجها وتوطينها.

أطباء القطاع الخاص يطالبون بضمانات قانونية وتقنية قبل رقمنة ملفات المرضى
افتتاحية: الـ210 مليارات والانتخابات على الأبواب.. هل نحن أمام هندسة جديدة للمال السياسي؟
غويتشو تاير الصينية تستثمر 3 مليارات درهم في مصنع ذكي للإطارات بطنجة