‏آخر المستجداتفنون وثقافة

د مصطفى غَلْمـــان: في مدرسة حميد التريكي

ثمة أشخاص لا يتركون في الذاكرة صورة منحولة/مضطربة، وإنما يتركون طريقة جديدة للنظر إلى العالم. كان المؤرخ والأديب المغربي الذي رحل عن دنيانا قبل أيام حميد التريكي واحدا من هؤلاء. حين زرته في منزله بحي جليز بمراكش في صيف عام 2023، لم أكن أدرك أن الساعات التي سنقضيها بين رفوف الكتب ستتحول مع مرور الزمن، إلى إحدى أكثر محطاتي الإعلامية والإنسانية رسوخا. كانت المعرفة في حضوره تمتلك إيقاعا مختلفا؛ لا تستعرض نفسها، بل تتسرب بهدوء إلى العقل، حتى يخيل إلى محاورها أنه يعيد اكتشاف ما كان يظنه معروفا.

جلسنا لساعات في مساء قائظ ، قبل تصوير ثلاثة أجزاء من برنامج “نوسطالجيات”. لم يكن الحوار بين صحفي وضيف، وإنما بين سؤال يبحث عن أفق، ورجلٍ عاش عمره يفتش عن الحياة في الخرائط المنسية، وفي المخطوطات الصامتة، وفي المدن التي تخفي ذاكرتها خلف جدرانها العتيقة. فهمت بعد ذلك، كما يقول بول ريكور، أن “الذاكرة ليست مستودعا للماضي، بل فعلٌ لتأويله”. كان التريكي رحمه الله يمارس هذا التأويل بصفاء العالم، لا بحماسة المؤرخ الذي يريد أن ينتصر لرواية بعينها.

كلما امتد الحديث اكتشفت أن موسوعية الرجل لم تكن حصيلة كثرة القراءة فحسب، بل ثمرة علاقة أخلاقية مع المعرفة. كان ينتقل من ابن خلدون إلى “طوق الحمامة”، ومن أرسطو إلى طه حسين، ومن عمارة مراكش إلى رمزية قصر الحمراء، دون أن يشعر محاوره بأنه يقف أمام استعراض ثقافي. لقد كان يجسد ما يسميه إدوارد سعيد بـ”المثقف الذي يعبر الحدود”، لا الحدود الجغرافية فقط، وإنما الحدود الفاصلة بين التخصصات واللغات والحقول المعرفية.

وحين كان يتحدث عن الأندلس، لم يكن يستدعيها باعتبارها فردوسا مفقودا، بل باعتبارها مختبرا لفهم تاريخ المتوسط، ومساحةً تفاعلت فيها الحضارات، وتبادلت فيها الثقافات أثرها الإنساني. ولذلك لم يكن غريبا أن يكون عضوا في اللجنة العلمية لمؤسسة الإرث الأندلسي بالأندلس، وعقلا مدبرا لفعاليات معهد سرفانتس بمراكش، وأن يكرس سنوات طويلة لدراسة المسارات الثقافية للمرابطين والموحدين، ومدرسة مراكش، وقصر الحمراء بوصفه ذاكرةً مشتركة تتجاوز الحدود السياسية الضيقة.

كان يؤمن من خلال حديثه، بأن المدن لا تُبنى بتعاويذ المخططات الهاوية، وإنما بما تختزنه من سرديات وعقول جبارة. ولعل ذلك ما يفسر انخراطه في الدفاع عن ذاكرة مراكش وآسفي، لأن المدينة التي تفقد ذاكرتها، كما يذهب بيير نورا، تتحول إلى مجرد فضاء جغرافي بعد أن كانت فضاءً للمعنى. أما الذاكرة، فهي التي تمنح المكان روحه، وتمنح الإنسان شعوره بالاستمرار.

لقد تذكرت بعد رحيله ما كتبه فالتر بنيامين حين قال: “ليس من واجب المؤرخ أن يخبرنا بما وقع، بل أن ينقذ ما كاد يضيع.” . لقد كان حميد التريكي، في جوهر مشروعه العلمي، يسعى إلى إنقاذ ما يتسرب من الذاكرة المغربية والأندلسية، لا عبر الحنين، بل عبر البحث الرصين، والتحقيق الوثائقي، وإعادة تركيب العلاقات الثقافية التي نسجت هوية هذا الغرب المتوسطي.

وحين غادر الدنيا في يوليوز 2026، عن اثنين وثمانين عاماً، شعرت أن المغرب لم يفقد مؤرخا فقط، بل فقد واحدا من أولئك الذين كانوا يحرسون الذاكرة من التبسيط، والتاريخ من الابتذال، والتراث من الاستهلاك السياحي. فهناك فرق كبير بين من يجمع الوثائق، ومن يمنحها القدرة على الكلام.

ما بقي في ذاكرتي من ذلك المساء ليس فقط ما قاله، بل الكيفية التي كان يصغي بها. كان يصغي كما لو أن المعرفة تبدأ بالإنصات، لا بالكلام. وربما لهذا السبب بدا لي قريباً مما يقوله هانس-غيورغ غادامير: *”كل فهم حقيقي يبدأ بحوار.” لم يكن الحوار عنده تبادلاً للمعلومات، وإنما لقاءً بين أفقين، يخرج منه كل طرف أكثر تواضعا، وأكثر إدراكا لاتساع المجهول.

لقد علمتني تلك الجلسة أن بعض الشخصيات لا تُقاس بعدد كتبها أو أوسمتها، على أهميتها، وإنما بالأثر الهادئ الذي تتركه في وعي من يقترب منها. فالمعرفة، في صورتها الأرقى، ليست امتلاكا للحقيقة، وإنما قدرة دائمة على طرح الأسئلة الصحيحة. وهذا ما كان يفعله حميد التريكي؛ كان يفتح الأبواب أكثر مما يقدم الأجوبة، ويجعل التاريخ، كما أراده مارك بلوخ، علما لفهم الإنسان قبل أن يكون علما لحفظ الماضي.

لهذا، كلما استعدت ذلك الحوار، لا أشعر أنني أسترجع مقابلة إعلامية، بل أستعيد درسا نادرا في معنى الثقافة؛ الثقافة التي لا تتباهى بمكتبتها، بل بقدرتها على أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وأكثر وفاءً لذاكرته، وأكثر تواضعا أمام الزمن. وربما لهذا السبب تبقى بعض اللقاءات عصية على النسيان، لأنها لا تنتهي بانطفاء الكاميرا، بل تبدأ لحظة يغيب أصحابها، ويبقى أثرهم حياً في ضمير من حاورهم.

رحم الله صديقنا وألهم ذويه الصبر والسلوان

إنا لله وإنا إليه راجعون

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button