
عمّان-
في كتابه “المنشق: ضياء العوضي ونظام الطيبات” يقدّم الكاتب والباحث حلمي الأسمر محاولة جادة لتفكيك ظاهرة إعلامية وصحية عربية ضخمة بأدوات القراءة الهادئة والتوثيق العلمي، تاركاً للقارئ، كما يؤكد في مقدمته، حرية بناء رأيه الخاص بعد الاطلاع على الصورة كاملة.
وجاء الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” 2026 بالأردن (2026) في أكثر من 200 صفحة، كما تكشف مقدمته، كمحاولة جادة لفهم واحدة من أكثر الظواهر الصحية والاجتماعية إثارة للجدل في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة، ألا وهي ظاهرة “نظام الطيبات” الذي طرحه الطبيب المصري الراحل الدكتور ضياء الدين محمد العوضي، والذي انقسم حوله الناس بين مؤيد رأى فيه اكتشافاً قد يغيّر حياة المرضى، ومعارض اعتبره خطراً على الصحة العامة. وهنا، يوضح المؤلف حلمي الأسمر حوله كتابه هذا: “لم أكتبه لأدافع عن الدكتور ضياء، ولا لأهاجمه، ولا لأقنع القارئ باتباع نظام الطيبات أو تركه. بل كتبته لأحاول الإجابة عن سؤال واحد: ما الذي يقوله هذا النظام فعلًا؟ وما الذي تؤيده الأدلة العلمية أو ما اتفق عليه الجسم الطبي من قواعد وبروتوكلات طبية مستقرة منذ عقود، وما الذي يبقى محل نقاش أو يحتاج إلى مزيد من البرهان؟”.
يفتتح الأسمر كتابه بفصل يوثّق سيرة الدكتور ضياء العوضي، ومولده في مصر عام 1980، وتفوقه الدراسي المبكر، والتحاقه بكلية الطب في جامعة عين شمس وتخرجه فيها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 2002، ثم عمله قرابة عشرين عاماً في أقسام العناية المركزة وإدارة الألم بمستشفيات الدمرداش، حيث عايش، بحسب الكتاب، اللحظات الأخيرة لكثير من أساتذته وهم يرحلون بالأمراض المزمنة ذاتها التي أفنوا حياتهم في علاجها، ومن هذه التجربة، كما يروي الأسمر، وُلدت فرضيته الأساسية حول العلاقة بين الغذاء وجذور الأمراض المزمنة، والتي بُني عليها لاحقا “نظام الطيبات”، ويوضح الكتاب أن العوضي توفي في التاسع عشر من نيسان 2026 في دولة الإمارات العربية المتحدة، تاركاً خلفه جدلاً لم يهدأ بعد حول أفكاره ومشروعه.
ويخصص المؤلف حلمي الأسمر فصولاً من الكتاب لتفكيك الأساس الفكري الذي قام عليه مشروع العوضي، بدءاً من فرضيته الأولى بأن الصحة هي الأصل في خلق الإنسان وأن المرض نتيجة خروج عن البيئة الفطرية، مرورا بما أسماه العوضي “نظرية الجسد السيد” القائمة على أركان أربعة ومخلصها: أن الصحة هي الأصل، وأن المرض نتيجة، وأن العلاج يبدأ بإزالة السبب، وأن الصبر جزء من العلاج، وهنا يميّز الكتاب بوضوح بين هذه النظرية العامة وبين “نظام الطيبات” بوصفه التطبيق العملي اليومي لها على مائدة الطعام، محذّراً من اختزال المشروع كله في قائمة مسموحات وممنوعات، كما يفرد الباحث فصلاً بعنوان “البيانات العشرة… دستور نظام الطيبات” لعرض القواعد التي بُني عليها النظام بشكل منهجي ومفصل.
ولا يقتصر الكتاب على مناقشة أفكار العوضي وحسب، بل يوسّع الأسمر دائرة النقاش إلى قضايا أعمق تتصل بمسار الطب الحديث نفسه؛ ففي فصل “حين أصبح المرض صناعة.. كيف غيّر رأس المال وجه الطب؟” يتتبع المؤلف كيف أعاد تقرير فليكسنر التاريخي تشكيل التعليم الطبي الحديث، وكيف تحوّلت الصحة تدريجياً إلى سوق اقتصادية ضخمة تتقاطع فيها مصالح الصناعات الدوائية والغذائية والتأمينية.. وفي فصل “المكملات الغذائية.. الوهم الذي يبتلع العالم” يتساءل الكاتب عن مفارقة تزايد إنفاق البشرية على الكبسولات في الوقت الذي تتزايد فيه الأمراض المزمنة، ويخصص الباحث فصلا آخر بعنوان “التخمير الطويل.. الحلقة المفقودة في قصة رغيف الخبز الحديث” لمقارنة خبز الأجداد بالخبز الصناعي المعاصر، فيما يعقد فصل “الطيبات والطب الصيني.. طريقان يلتقيان ويفترقان” مقارنة بين فلسفة العوضي الغذائية وتقاليد الطب الصيني التقليدي.
ولعل من أبرز فصول الكتاب ذلك الذي يحمل عنوان “عندما بدأ العلم يقترب من فكرة الطيبات”، حيث يستعرض الأسمر فيه مفاهيم علمية حديثة نسبيا كالميكروبيوم المعوي، والالتهاب المزمن منخفض الدرجة، والمحور المعوي الدماغي، رابطاً إياها بمبادئ نظام الطيبات، ويورد الباحث في فصل لاحق سلسلة من الدراسات الطبية الغربية الموثقة حول “هدأة” مرض السكري من النوع الثاني عبر التدخل الغذائي، من بينها دراسات “كاونتربوينت” و”دايركت” التي أجراها فريق البروفيسور روي تايلور في جامعة نيوكاسل البريطانية، موضحاً أن إيرادها لا يعني أنها أُجريت لاختبار نظام الطيبات تحديداً، بل لأنها تلتقي جزئياً مع بعض مبادئه.
كما يناقش الكتاب أبعاداً اجتماعية للظاهرة في فصول من قبيل “مرآة المجتمع: ماذا كشفت الطيبات عنا؟”، و”لماذا انقسم الناس حول نظام الطيبات؟”، و”هل الطيبات نظام ربّاني أم اجتهاد بشري؟”، و”عندما يتحول الغذاء الى هوية: هل أصبح نظام الطيبات ظاهرة اجتماعية؟”، متتبعاً تحوّل النظام من قناة على يوتيوب إلى ما يصفه الكتاب بـ”مشروع معرفي عالمي”.
ويذيّل حلمي الأسمر كتابه بملحقين توثيقيين؛ الأول بعنوان “دليل نظام الطيبات” يلخّص مبادئه العامة ومسموحاته وممنوعاته وتنبيهاته ونموذجاً مقترحاً لبرنامج غذائي، والثاني يناقش سؤالاً مثار جدل هو: “هل دعا الدكتور ضياء العوضي إلى ترك الدواء؟”، مرفقاً بنص وثيقة منسوبة إلى شخص كان مراجعاً سابقاً عند العوضي نفسه، ويختم الكتاب بقائمة مصادر ومراجع علمية دعّمت بها الدراسة أطروحاتها.
وفي خاتمته التي يخاطب فيها القارئ مباشرة تحت عنوان “بعد إغلاق الكتاب!”، يوضح الأسمر أن غايته لم تكن كسب القارئ إلى صف التأييد أو المعارضة، وإنما دعوته إلى التعامل مع فكرة “الطيبات” بعقل مفتوح وأدوات نقدية، بعيداً عن التعصب الأعمى من جهة، والرفض المسبق من جهة أخرى، ويهدي المؤلف كتابه “إلى روح ساجدة رحمها الله، ابنتي التي قتلتها احتمالاتهم”، في إشارة تحمل بعداً شخصياً مؤلماً يضيف طبقة إنسانية إلى دراسة تتقاطع فيها هموم الطب والدين والمجتمع والاقتصاد معاً.
وتضمن الغلاف الأخيرة خلاصة الفكرة التي دفعت الباحث لإنجاز الكتاب، وفيها: “المنشق الذي قسم المجتمع إلى ثلاثة أنصاف! أما النصف الثاني فقد رفضه وناصبه العداء حتى ربما دون أن يعرف ما يقول حق المعرفة؛ فهو يرفضه من حيث المبدأ لأسباب شتى.. أما النصف الأول فهو لا يؤمن به فقط؛ بل ربما (يعتنقه) ويدافع عنه بشراسة قلّ نظيرها! أما النصف الثالث فيقيم فيه هذا الكتاب”.





