‏آخر المستجداتبقية العالم

الهجرة غير النظامية تدخل عصر الشبكات.. حين تتحول المنصات الرقمية إلى بوابات لعبور الحدود

كش بريس/التحرير ـ

لم تعد الهجرة غير النظامية إلى أوروبا تتحرك فقط عبر القوارب والممرات السرية وشبكات التهريب التقليدية، وإنما بدأت تنتقل إلى فضاء أكثر اتساعاً وأقل وضوحاً: الشاشات والمنصات الرقمية. فقبل أن يصل المهاجر إلى الحدود، قد يكون قد تلقى على هاتفه مسار الرحلة، ونقطة التجمع، وطريقة العبور، وحتى تعليمات السباحة والتعامل مع عناصر المراقبة.

هذا التحول في أدوات التعبئة والتنظيم يفرض على السلطات المغربية والأوروبية إعادة النظر في الطريقة التي تُفهم بها الهجرة غير النظامية، بعدما أصبح الهاتف الذكي جزءاً من البنية اللوجستية للعبور، وتحولت مجموعات «واتساب» و«تلغرام» وصفحات «فيسبوك» وحسابات «تيك توك» و«إنستغرام» إلى فضاءات لتداول المعلومات وتوجيه الراغبين في الوصول إلى الضفة الأوروبية.

وتسلط مجلة «جون أفريك» الفرنسية الضوء على هذا التحول، معتبرة أن عمليات العبور لم تعد محكومة حصراً بمنطق شبكات التهريب السرية التي تعمل في الظل، وإنما أصبحت تستفيد من قدرة المنصات الرقمية على إنتاج التعبئة الجماعية، وتضخيم الشائعات، وتسريع تداول المعلومات، وتحويل إشاعة واحدة إلى دعوة قادرة على تحريك آلاف الأشخاص خلال وقت وجيز.

من المهرب إلى الهاتف.. تغير هندسة الهجرة

المفارقة الجديدة أن المهرب التقليدي لم يعد بالضرورة هو المصدر الوحيد للمعلومة. فالمعلومة نفسها أصبحت سلعة، والشائعة أصبحت أداة تعبئة، والمنصة تحولت إلى وسيط بين الراغب في الهجرة ومن يقدم له الوعد بالوصول.

وبحسب المعطيات التي أوردتها «جون أفريك»، فإن تقرير وزارة الداخلية المغربية برسم سنة 2026، الذي نوقش أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب في سياق مناقشة مشروع ميزانية 2027، كشف أن السلطات أحبطت، خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس، 58 ألفاً و153 محاولة للهجرة غير النظامية، وفككت 148 شبكة إجرامية، وأنقذت 8 آلاف و288 شخصاً.

غير أن الرقم الأكثر دلالة لا يتعلق بعدد المحاولات المحبطة بقدر ما يتعلق بتغير الأدوات التي أصبحت تُستخدم في صناعة تلك المحاولات. فالهجرة، في بعض صورها الجديدة، تبدأ من فضاء افتراضي قبل أن تتحول إلى حركة جماعية على الأرض.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الانتقال من مفهوم «شبكة التهريب» إلى مفهوم أوسع هو «شبكة التعبئة». فالأولى تحتاج إلى بنية تنظيمية واضحة، بينما تستطيع الثانية أن تعمل بصورة أكثر سيولة، من خلال مجموعات مغلقة، وحسابات مجهولة، ومنشورات يعاد تداولها آلاف المرات، وأفراد لا تربطهم بالضرورة علاقة مباشرة ببعضهم.

سبتة.. حين تحولت الشائعة إلى قوة ميدانية

شكلت أحداث سبتة في نهاية يوليو الماضي نموذجاً صارخاً لهذا التحول.

فبعد تداول قرار للمحكمة العليا الإسبانية، صدر في 8 يوليو، يتعلق بتنظيم عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، انتشرت تأويلات ومعلومات مضللة أوحت بأن عبور الحدود سباحة يمكن أن يوفر فرصاً أكبر لتجنب الإعادة.

وفي غضون فترة قصيرة، انتقلت المعلومة من الشاشة إلى الشارع، ومن المنشور إلى الحشد.

وتشير المعطيات التي أوردتها المجلة إلى أن السلطات المغربية قدرت عدد الأشخاص الذين توجهوا نحو سبتة خلال الأيام الأخيرة من يوليو بنحو 40 ألف شخص، في حين رفعت تقديرات إسبانية العدد إلى نحو 70 ألفاً.

لكن الأهم من التباين في الأرقام هو طبيعة التعبئة التي رافقت الحدث.

فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان رصد، مطلع أغسطس، 23 مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي تضم أكثر من مليون عضو، وتنشر قرابة 1400 منشور يومياً. وتوزعت هذه التعبئة بين «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، فضلاً عن «واتساب» و«تلغرام».

داخل هذه الفضاءات لم تكن المعلومة وحدها هي المتداولة؛ بل ظهرت نصائح حول طرق العبور، ومقاطع ومواد لتعلم السباحة، وإعلانات لبيع المعدات، وعروض مدفوعة لتنظيم الرحلات، إلى جانب ادعاءات بأن الحدود أصبحت مفتوحة أمام الراغبين في اجتيازها.

هنا لم تعد المنصة مجرد وسيلة اتصال. لقد أصبحت جزءاً من البنية التنظيمية للهجرة.

الحدود لم تعد خطاً على الأرض

تكشف هذه الوقائع عن تحول أعمق في مفهوم الحدود نفسه.

فالحدود التقليدية تُرسم على الخرائط وتُراقب بالكاميرات والأسلاك والدوريات. أما الحدود الجديدة فتبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الهاتف، حيث تتشكل صورة المهاجر عن إمكانية العبور، ويتحدد مستوى المخاطرة، وتنتشر الشائعات التي قد تحول المستحيل إلى فرصة ممكنة.

ومن ثم، فإن السيطرة على الحدود لم تعد مسألة جغرافية فقط. إنها أصبحت أيضاً مسألة معلومات.

فإذا كان الحارس التقليدي يقف على الحدود لمنع العبور، فإن المنظومة الأمنية الجديدة مطالبة، في الوقت نفسه، بمراقبة ما يحدث قبل الحدود: من يصنع المعلومة؟ من ينشرها؟ من يضخمها؟ ومن يحولها إلى دعوة جماعية؟

وهذا يفسر، جزئياً، الاتجاه المتزايد نحو تعزيز قدرات الرصد الرقمي لدى السلطات المغربية، وتطوير وسائل المراقبة، وتكثيف التعاون مع الشركاء الأوروبيين.

مليون عضو.. قوة تعبئة تتجاوز منطق المهرب

تزداد خطورة الظاهرة حين ننظر إلى حجم الجمهور الذي يمكن أن تصل إليه هذه الرسائل.

فمجموعة رقمية تضم مئات الآلاف أو ملايين المستخدمين لا تحتاج إلى قائد مركزي حتى تنتج أثراً جماعياً. يكفي أن تنتشر معلومة خاطئة أو وعد بفرصة استثنائية، حتى تبدأ عملية التفاعل وإعادة النشر والتعليق، ثم تنتقل المعلومة إلى مجموعات أخرى، فتتحول تدريجياً إلى ما يشبه «الحقيقة الجماعية» رغم افتقارها إلى أساس واقعي.

وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص الهجرة الرقمية: سرعة الانتقال من المعلومة إلى الفعل.

ففي النموذج القديم، كان تنظيم عملية العبور يحتاج إلى وقت واتصالات ووسطاء. أما اليوم، فقد تستطيع المنصة اختصار المسافة بين الرغبة والتنفيذ إلى بضعة أيام أو حتى ساعات.

ولذلك فإن مواجهة هذا النوع من الهجرة لا يمكن أن تعتمد فقط على تفكيك الشبكات الإجرامية بعد تشكلها، وإنما تحتاج أيضاً إلى تفكيك البنية الرقمية التي تسمح بتكوينها أو تضخيمها.

الاتحاد الأوروبي يدفع ثمن إدارة الحدود خارج حدوده

هذا التحول يفسر أيضاً تنامي الدعم الأوروبي الموجه إلى المغرب في مجال الهجرة.

وتشير «جون أفريك» إلى أن الاتحاد الأوروبي خصص، خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، نحو 222 مليون يورو لدعم تدبير ملف الهجرة في المغرب، مع توجه نحو تعبئة 190 مليون يورو إضافية قبل نهاية الدورة المالية الحالية سنة 2027.

كما اعتمدت بروكسل، في ديسمبر 2025، حزمة مالية بقيمة 675 مليون يورو لدعم تدبير الهجرة في شمال أفريقيا خلال الفترة 2025-2027، من بينها 160 مليون يورو لبرنامج دعم الميزانية المرتبط بالاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء.

وهذه الأرقام تكشف أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يتعامل مع الحدود الجنوبية باعتبارها خطاً جغرافياً منفصلاً عن أمنه الداخلي، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية أوسع تبدأ في دول العبور قبل أن تصل إلى الأراضي الأوروبية.

لكن هذا التمويل يفتح في المقابل نقاشاً سياسياً وحقوقياً حول حدود الدور الذي يُطلب من المغرب القيام به في حماية الحدود الأوروبية، وحول التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا.

سبتة تعود إلى القضاء الإسباني

وفي موازاة هذا التحول الأمني، تتجه الأنظار إلى التحقيق القضائي الإسباني في ملابسات أحداث سبتة، ولا سيما في ما يتعلق بمسار تبادل المعلومات بين مدريد والرباط قبل وقوعها.

وتشير «جون أفريك» إلى أن القاضية ماريا تاردون، بالمحكمة الوطنية الإسبانية، أصدرت في 27 أكتوبر قراراً منحت بموجبه الحكومة الإسبانية مهلة خمسة عشر يوماً لرفع السرية عن وثائق جديدة تابعة للمركز الوطني للاستخبارات الإسباني.

وكانت الأجهزة الإسبانية قد أبلغت، في 29 يوليو، نظيرتيها المغربيتين، المديرية العامة للدراسات والمستندات والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بوجود مجموعات رقمية تضم نحو 180 ألف عضو وتدعو إلى اجتياز الحدود بحراً أو عبر السياجات الحدودية.

ويبحث التحقيق في طبيعة المعلومات التي جرى تبادلها، وتوقيتها، والجهات التي كانت على علم بها، وما إذا كانت التحذيرات التي وصلت إلى الأجهزة المعنية قد أفضت إلى قرارات أو إجراءات ميدانية قبل وقوع الأحداث.

كما تسعى المحكمة، بحسب المعطيات المنشورة، إلى الاطلاع على النص الكامل للمذكرات المتبادلة، والردود المحتملة عليها، وتحديد المسؤولين الإسبان الذين كانوا على علم بهذه المعطيات، فضلاً عن الاستماع إلى عدد من عناصر المركز الوطني للاستخبارات.

سؤال المسؤولية.. هل كان الجميع يعرف؟

هنا تنتقل القضية من سؤال «كيف عبر المهاجرون؟» إلى سؤال أكثر حساسية: من كان يعرف؟ ومتى عرف؟ وماذا فعل بعد أن عرف؟

فإذا كانت أجهزة الاستخبارات قد رصدت مجموعات رقمية تضم عشرات أو مئات الآلاف من الأشخاص وتدعو إلى اقتحام الحدود، فإن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة الأجهزة على الحصول على المعلومات، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المعلومات إلى قرار في الوقت المناسب.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما تتداخل ثلاثة مستويات في الحدث نفسه: التعبئة الرقمية، والشبكات الإجرامية، والحركة الجماعية العفوية.

فليس كل من نشر دعوة إلى العبور مهرباً، وليس كل من انضم إلى مجموعة رقمية عضواً في شبكة إجرامية، كما أن كل حركة جماعية لا يمكن اختزالها في مخطط إجرامي مركزي. وهذا التداخل هو ما يجعل تحديد المسؤوليات أكثر تعقيداً، ويمنح التحقيق القضائي الإسباني أهمية تتجاوز مجرد إعادة بناء أحداث صيفية عابرة.

الهجرة أمام تحول أكبر

ما تكشفه أزمة سبتة يتجاوز قضية الحدود المغربية الإسبانية. نحن أمام تحول في هندسة الهجرة نفسها.

لقد أصبح الهاتف الذكي جزءاً من رحلة المهاجر، وأصبحت المنصة الرقمية فضاءً لتشكيل التوقعات، وأصبحت الخوارزمية قادرة على إيصال الرسالة إلى جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه بهذه السرعة في السابق.

ومن هنا فإن معركة الهجرة لم تعد تجري فقط بين خفر السواحل والمراكب، أو بين السياجات والمهاجرين، وإنما تجري أيضاً داخل فضاء المعلومات: بين الحقيقة والشائعة، وبين التحذير والدعاية، وبين المعلومة الأمنية والتعبئة الجماعية.

والأخطر أن المنصات الرقمية لا تحتاج إلى أن تكون جزءاً من شبكة التهريب حتى تصبح أداة فعالة في خدمتها؛ يكفي أن توفر البيئة التي تسمح للمعلومة بأن تنتشر، وللرغبة بأن تتضخم، وللشائعة بأن تتحول إلى سلوك جماعي.

في النهاية، تبدو الحدود الأوروبية في مواجهة ظاهرة جديدة: مهاجر قد يبدأ رحلته من شاشة هاتف قبل أن يبدأها من شاطئ أو سياج. ولهذا فإن السؤال الأمني في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: كيف نمنع العبور؟ وإنما أيضاً: كيف نمنع صناعة الوهم الذي يجعل آلاف الأشخاص يعتقدون أن العبور أصبح ممكناً؟

وهنا تحديداً تلتقي التكنولوجيا بالهجرة، ويلتقي الأمن بالمعلومة، وتتحول المنصة الرقمية من مجرد وسيلة اتصال إلى فاعل غير مباشر في رسم خرائط الحركة البشرية عبر الحدود.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button