
الحملة الانتخابية المغربية تدخل الفضاء الرقمي تحت رقابة القانون
كش بريس/التحرير ـ
دخلت الانتخابات التشريعية المغربية مرحلة الحملة الانتخابية، مع انطلاقها في الساعات الأولى من يوم أمس الخميس، إيذاناً ببدء سباق سياسي يمتد عبر مختلف الدوائر المحلية واللوائح الجهوية، استعداداً للاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر 2026 لاختيار أعضاء مجلس النواب.
ومنذ اللحظات الأولى لانطلاق الحملة، بدا أن الفضاء الرقمي يحتل موقعاً مركزياً في استراتيجيات عدد من المرشحين والأحزاب، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى واجهة انتخابية موازية للملصقات والتجمعات والزيارات الميدانية. وشرع مرشحون في نشر صورهم وبرامجهم الانتخابية، والتعريف بمساراتهم المهنية والسياسية، إلى جانب تقديم أعضاء اللوائح وشعارات الأحزاب التي يخوضون الانتخابات باسمها.
غير أن هذا الحضور الرقمي لم ينعكس بالضرورة على مستوى الحركية الانتخابية في عدد من الجهات، وفي مقدمتها جهة مراكش ـ آسفي، حيث بدت الحملة، خلال بداياتها الأولى، منكمشة وذات إيقاع خافت، في انتظار ما إذا كانت الأيام المقبلة ستدفع نحو تصعيد التنافس وإخراج الاستحقاق من حالة الفتور التي طبعت انطلاقته.
فباستثناء بعض التدوينات والمنشورات المتناثرة على شبكات التواصل الاجتماعي، لا تزال ملامح الحملة في عدد من الدوائر بالجهة محدودة الظهور، فيما يبدو أن جزءاً من النقاش الانتخابي الرقمي تتحكم فيه صفحات وحسابات محدودة التأثير، يقودها أحياناً مؤثرون لا يمتلكون بالضرورة أدوات النقاش السياسي الرصين أو القدرة على تحويل المنصة الرقمية إلى فضاء حقيقي للتداول العمومي.
وتكشف هذه الصورة عن مفارقة لافتة: حضور رقمي متزايد من حيث الشكل، مقابل حضور سياسي وإعلامي باهت من حيث المضمون. فالانتخابات تبدو حاضرة على الشاشات، لكنها لا تزال أقل حضوراً في المجال العمومي المحلي، حيث يفترض أن تتقاطع البرامج والاختيارات والأسئلة التنموية مع انتظارات الناخبين.
والأكثر إثارة للانتباه في المشهد المراكشي هو التراجع الواضح للحضور الإعلامي الجهوي والمحلي المواكب للحملة. فلا تبدو العلاقة بين عدد من المرشحين والصحافة المهنية محكومة، حتى الآن، بقنوات تواصل منتظمة ومفتوحة، فيما تشير مؤشرات المشهد المحلي إلى ضمور غير واضح في الجسور التي يفترض أن تصل المرشح بالصحفي، والخطاب الانتخابي بالرأي العام، والبرنامج السياسي بالأسئلة الحقيقية للمجتمع.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بغياب الصحافة أو بعزوف الصحفيين عن تغطية الاستحقاق، بقدر ما يرتبط، في جانب منه، بضعف المبادرات التواصلية للمرشحين والأحزاب، وعدم انتظام الندوات واللقاءات والتصريحات الصحفية، فضلاً عن ميل بعض الحملات إلى الاكتفاء بالمادة الجاهزة التي تُنشر في الصفحات والحسابات الخاصة، من دون إتاحة المجال الكافي للنقاش أو المساءلة أو طرح الأسئلة.
وهنا تبرز مشكلة تتجاوز الجانب الاتصالي البسيط؛ إذ إن الانتخابات التي تنفصل عن الصحافة المهنية تفقد جزءاً من قدرتها على إنتاج نقاش عمومي حقيقي. فالصحفي لا يؤدي وظيفة ترويجية للمرشح، وإنما يفترض أن يكون وسيطاً نقدياً بين الفاعل السياسي والمواطن، يسأل عن البرنامج، ويفحص الوعود، ويقارن المواقف، ويضع الخطاب الانتخابي أمام الوقائع والأسئلة المحلية.
وفي جهة مراكش ـ آسفي، حيث تتقاطع ملفات التنمية المجالية مع قضايا المدينة العتيقة، والسياحة، والماء، والتشغيل، والنقل، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، والضغط العمراني، والبنيات الصحية والتعليمية، كان يفترض أن تشكل الحملة مناسبة لفتح نقاش واسع حول هذه الملفات، لا أن تختزل في صور المرشحين وشعاراتهم وتدوينات التعريف باللوائح.
ويبدو أن جزءاً من الفتور المسجل في بدايات الحملة يرتبط أيضاً بتحول متزايد في مفهوم التواصل الانتخابي؛ إذ أصبح بعض المرشحين يتعاملون مع المنصات الرقمية باعتبارها بديلاً عن الإعلام، بينما تختلف وظيفة الصحافة المهنية جذرياً عن وظيفة الصفحة الانتخابية. الصفحة تنشر ما يريد صاحبها قوله، أما الصحافة فتسأل عما يريد المرشح أن يقوله وما قد لا يرغب في قوله.
ومن ثم، فإن الاستثمار المفرط في شبكات التواصل لا يعني بالضرورة امتلاك حملة حديثة. فالحداثة الانتخابية لا تقاس بعدد المنشورات أو الصور أو مقاطع الفيديو، وإنما بقدرة الحملة على خلق تفاعل حقيقي مع المواطنين، وإنتاج خطاب قابل للنقاش، وتقديم أجوبة قابلة للقياس، والانفتاح على الصحافة المهنية بدل الاكتفاء بجمهور رقمي مغلق يعيد إنتاج الرسائل ذاتها.
وفي هذا السياق، يبدو أن مراكش، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وثقافي وإعلامي، تحتاج إلى حملة أكثر وضوحاً في خطابها وأكثر انفتاحاً على الصحافة المحلية والجهوية. فغياب الحوار الإعلامي المنظم يترك مساحة واسعة للانطباعات والشائعات والتأويلات، كما يسمح للمنصات غير المهنية بأن تصبح مصدراً شبه حصري للمعلومة الانتخابية.
وإذا كان الفضاء الرقمي قد فرض نفسه بوصفه مكوناً أساسياً في الحملات الانتخابية الجديدة، فإن السؤال المطروح في جهة مراكش ـ آسفي لا يتعلق فقط بمدى حضور المرشحين على «فيسبوك» وغيره من المنصات، وإنما بقدرتهم على إعادة بناء المجال العمومي الانتخابي عبر وصل ما انقطع بين السياسة والصحافة والمواطن.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل المقتضيات القانونية الجديدة التي وسعت دائرة الانتباه إلى أشكال الدعاية الرقمية، بما فيها المنشورات المدفوعة، وشبكات التواصل، والمنصات الإلكترونية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل التواصل الانتخابي مجالاً يحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية والشفافية، وليس مجرد سباق على الظهور والانتشار.
وفي المقابل، لا تنفصل الرقابة القانونية على الحملة عن مسؤولية الأحزاب والمرشحين أنفسهم في احترام قواعد التنافس السياسي، إذ إن الانتقال إلى الفضاء الرقمي لا يلغي القواعد التي تحكم العملية الانتخابية، وإنما ينقل جزءاً من تطبيقها إلى بيئة أكثر سرعة وتشعباً وصعوبة في التتبع.
وفي سياق الاستعدادات المؤسساتية للانتخابات، عقد ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات، الأربعاء، لقاءات مع وكلاء لوائح الترشيح للانتخابات التشريعية، بحضور وكلاء الملك والوكلاء العامين للملك بمختلف محاكم المملكة، وذلك عشية انطلاق الحملة الانتخابية.
وبحسب معطيات حصلت عليها مصادر مطلعة، فقد وجه الولاة والعمال دعوات إلى مختلف وكلاء اللوائح، سواء على مستوى الدوائر المحلية أو الدائرة الجهوية، للمشاركة في اجتماعات احتضنتها مقرات الولايات والعمالات، في إطار مواكبة الاستعدادات المرتبطة باستحقاق 23 شتنبر.
وتحمل هذه اللقاءات دلالة مؤسساتية تتجاوز الجانب التنظيمي المباشر، بالنظر إلى حضور ممثلي السلطة القضائية إلى جانب السلطات الترابية ووكلاء اللوائح، في وقت تدخل فيه العملية الانتخابية مرحلة تتطلب تشديد اليقظة بشأن احترام القواعد المنظمة للحملة ومراقبة مختلف أشكال الدعاية الانتخابية.
وبذلك، تبدو الحملة الانتخابية الحالية أمام معادلة جديدة: المنافسة السياسية تتحرك بسرعة داخل الفضاء الرقمي، بينما يظل المجال العمومي المحلي، في بعض الجهات، أقل حيوية من هذا التدفق الافتراضي. وفي مراكش ـ آسفي تحديداً، لا يزال الرهان قائماً على انتقال الحملة من حالة الانكماش إلى حوار انتخابي أكثر وضوحاً، وعلى استعادة الصحافة المهنية موقعها الطبيعي في مراقبة الخطاب السياسي ومساءلة المرشحين حول البرامج والوعود والبدائل.
فالهاتف الذكي أصبح واجهة انتخابية، والمنصة الرقمية تحولت إلى مجال للصراع على انتباه الناخب، والذكاء الاصطناعي دخل تدريجياً في صناعة المحتوى السياسي؛ غير أن كل ذلك لا يعفي الفاعل السياسي من الحاجة إلى صحافة تسأل، ومواطن يناقش، وبرنامج يُختبر، ووعد انتخابي يمكن إخضاعه للمساءلة. وإلا فإن الحملة قد تتحول إلى وفرة في الصور والمنشورات، مقابل ندرة في السياسة نفسها.




