

كش بريس/خاص ـ الرباط من (عادل العزامي)
اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يجعل من مفهوم «التنمية العادلة» المدخل المركزي لبرنامجه الانتخابي، واضعاً إياه في صلب تصوره للمرحلة المقبلة، ومربطاً بين العدالة الاجتماعية والمجالية وبين إصلاح المؤسسات وتوسيع مجال الحقوق والحريات.
وخلال ندوة صحافية خصصت لتقديم البرنامج الانتخابي للحزب استعداداً لاستحقاقات 23 شتنبر المقبل، قدّم الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، وثيقة قال إنها تعكس هوية الحزب وامتداده السياسي والتاريخي، مؤكداً أن البرنامج لا يمثل، وفق تعبيره، مجرد تجميع لمطالب انتخابية ظرفية، وإنما امتداد لمرجعية تقوم على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والديمقراطية المؤسساتية.
وبهذا المنظور، جعل الحزب من الحقوق والحريات إحدى ركائز مشروعه الانتخابي، إذ شدد لشكر على أن التنمية والاستثمار والثقة في المؤسسات تظل مرتبطة بتوفير ضمانات قانونية ومؤسساتية قوية. ووضع ضمن أولويات الحزب قضاءً مستقلاً ونزيهاً وقريباً من المواطن، وضمان حرية الصحافة والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة في ظل التحول الرقمي، وترسيخ المساواة أمام القانون دون اعتبار للموقع أو النفوذ.
ولم يقدم لشكر هذه المطالب باعتبارها ترفاً سياسياً مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة، بل ربطها مباشرة بإمكان تحقيق التنمية واستدامتها، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن فصله عن البيئة الديمقراطية والقانونية التي تحتضنه.
المعارضة كرصيد انتخابي
وفي استحضار لحصيلة الحزب خلال سنوات المعارضة، حاول لشكر تقديم هذه التجربة باعتبارها امتداداً لوظيفته الدستورية، بعيداً عن منطق المعارضة من أجل المعارضة. وقال إن حزبه عارض عندما كان الصمت، في تقديره، تواطؤاً، ونبّه حين كان التغاضي تقصيراً، وقدم البدائل عندما كان النقد في حاجة إلى مقترحات عملية.
ومن هذه الزاوية، يسعى الاتحاد الاشتراكي إلى تقديم نفسه للناخبين باعتباره قوة سياسية تجمع بين النقد والاقتراح، إذ يؤكد برنامجه أنه لا ينطلق من مقاربة تقوم على تصوير الواقع باعتباره فشلاً شاملاً، ولا من خطاب يختزل المرحلة في الإنجازات وحدها.
وفي هذا السياق، أقر لشكر بوجود إنجازات وطنية مرتبطة بالبنيات التحتية والأوراش الاجتماعية والحفاظ على التوازنات، لكنه وضع في المقابل سؤال توزيع ثمار النمو في قلب النقاش الانتخابي: من يستفيد من النمو؟ ومن بقي خارج دائرة التقدم؟
من أرقام النمو إلى حياة المواطن
وتحاول فكرة «التنمية العادلة» التي اختارها الحزب شعاراً لبرنامجه نقل النقاش من المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى أثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطن.
فالتنمية، وفق التصور الذي عرضه لشكر، لا تكتسب معناها الاجتماعي إلا حين يتحول التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية إلى حقوق فعلية قابلة للمطالبة، وحين ينعكس النمو على مستوى الدخل والقدرة الشرائية. كما يطرح الحزب بعداً مجاليّاً للعدالة، رافضاً أن يصبح مكان إقامة المواطن عاملاً حاسماً في تحديد فرصه في التعليم والعلاج والعمل والحياة الكريمة.
وهذا البعد المجالي يضع قضية الفوارق بين المناطق في قلب البرنامج، خصوصاً في ظل استمرار التفاوت في الولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية والاجتماعية.
المسنون والنساء خارج منطق «الفئات الهامشية»
وفي مقاربته للعدالة الاجتماعية، توقف الحزب عند فئات يعتبر أنها لا تحظى بما يكفي من الاهتمام في السياسات العمومية، وفي مقدمتها المسنون والمتقاعدون.
وقال لشكر إن هذه الفئة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عبئاً على منظومة الحماية الاجتماعية، وإنما باعتبارها شريحة لها حقوق ومكانة داخل المجتمع، معلناً عن مقترحات تتعلق بحماية قدرتها الشرائية وضمان الولوج إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، فضلاً عن تعزيز مشاركتها في الحياة العامة.
كما خصّص حيزاً مهماً لقضية النساء، مؤكداً أن الحزب يتعامل مع المرأة باعتبارها «مواطنة كاملة»، وليس مجرد كتلة انتخابية أو حضوراً لتزيين اللوائح. وانتقد ما اعتبره استمراراً في تأجيل الحقوق المرتبطة بالنساء، داعياً إلى الانتقال من الخطاب السياسي حول قضايا المرأة إلى قرارات وتشريعات وسياسات قابلة للتنفيذ.
رسالة إلى «تغول» المؤسسات
أما الجانب المؤسساتي من البرنامج، فيقوم على فكرة التوازن بين السلطات والمؤسسات، التي وضعها لشكر في مواجهة ما وصفه بـ«التغول»، أياً كان مصدره أو مجاله.
وربط الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي قوة الدولة بقوة مؤسساتها، لا بتركز القرار داخل مؤسسة واحدة أو بارتباط النفوذ السياسي بقوة المال. وفي تصوره، فإن الدولة القوية هي التي تتوفر على مؤسسات متوازنة ومتعاونة، يخضع فيها القرار للقانون، والسلطة للمساءلة، والسياسة لمعيار المصلحة العامة.
ويذهب هذا التصور إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات باعتبارها الضامن للاستقرار والاستمرارية، في مقابل الأشخاص والمصالح الظرفية.
تعارض المصالح والصفقات تحت المجهر
ولم يكتف الحزب برفع شعارات عامة بشأن تخليق الحياة السياسية، وإنما أعلن عن مجموعة من الالتزامات التي وصفها لشكر بالمؤسساتية، من بينها تشديد قواعد التنافي بين المسؤولية العمومية والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالقرارات المتخذة، واعتماد تصريح علني بالممتلكات يكون قابلاً للتدقيق.
كما طرح الحزب تعزيز استقلالية مجلس المنافسة ومنحه قدرة فعلية على المبادرة ونشر قراراته، إلى جانب إخضاع الإعفاءات الضريبية للتقييم الدوري والعلني، بحيث تصبح مؤقتة وقابلة للمراجعة والسحب، فضلاً عن اعتماد مزيد من الشفافية في الصفقات العمومية.
وتحمل هذه المقترحات في خلفيتها رسالة سياسية واضحة حول العلاقة بين المال والقرار العمومي، وهي إحدى القضايا التي يُرجح أن تحتل موقعاً متقدماً في الخطاب الانتخابي خلال المرحلة المقبلة.
الاتحاد الاشتراكي يبحث عن معادلة جديدة
في المحصلة، يقدم الاتحاد الاشتراكي برنامجه الانتخابي من خلال معادلة تربط الديمقراطية بالتنمية، والعدالة الاجتماعية بالإصلاح المؤسساتي، والاستثمار بالأمن القانوني، والاستقرار بالإنصاف الاجتماعي.
ويبدو أن الرهان السياسي للحزب يتجاوز تقديم لائحة مطالب انتخابية إلى إعادة بناء صورة الاتحاد الاشتراكي باعتباره حزباً يحمل تصوراً متكاملاً للدولة والمجتمع، مستنداً إلى تاريخه في المعارضة وإلى مرجعيته الاجتماعية والديمقراطية.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يضع الحزب الناخب أمام سؤال مختلف في صياغته: ليس فقط كم ينمو الاقتصاد، وإنما من يستفيد من هذا النمو، وليس فقط ما الذي أنجزته الدولة، وإنما مدى قدرة مؤسساتها على ضمان عدالة توزيع ثمار التنمية.
ومن هنا تأتي عبارة «المغرب الصاعد» التي اختارها لشكر في ختام عرضه، مقرونة بشرط أساسي: أن يكون صعود البلاد شاملاً، وأن تتعزز قوة الدولة بالتوازي مع قوة المجتمع، داخل منظومة دستورية ومؤسساتية تستعيد ثقة المواطنين.




