
كش بريس/خاص ـ
أعاد الكاتب الأمريكي اليهودي بنيامين موزر فتح النقاش حول الجذور التاريخية للصهيونية وتأسيس إسرائيل، من خلال مواقف نقدية حادة تربط نشأة الدولة الإسرائيلية بعمليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وتهجير سكانها، وتضع ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية ضمن سياق تاريخي متصل من الاقتلاع والاستيطان والسيطرة.
ويكتسب موقف موزر دلالته من خلفيته اليهودية ومساره الفكري؛ فقد أعلن انتقاله من تبني الصهيونية إلى معارضتها، بعد سنوات من البحث في تاريخها وزيارته فلسطين، معتبراً أن الرواية التي اختزلت قيام إسرائيل في تأسيس وطن آمن لليهود حجبت جانباً أساسياً من التاريخ الفلسطيني، المتصل بمصادرة الأراضي وتدمير القرى وتهجير السكان الأصليين.
وفي مقابلاته الصحفية الأخيرة، ذهب موزر إلى أن دراسة تاريخ الصهيونية قادته إلى مراجعة عميقة للمسلمات التي نشأ عليها، وصرح بأن الأرض التي قامت عليها إسرائيل كانت فلسطين، وأن التطهير العرقي الذي رافق تأسيس الدولة عام 1948 لا يمكن التعامل معه باعتباره واقعة تاريخية منقطعة، بالنظر إلى استمرار آثاره وتداعياته في السياسات الإسرائيلية الراهنة.
يهودي يراجع سردية النشأة الصهيونية
وتتجاوز أهمية مواقف موزر طبيعة التصريحات السياسية العابرة، بالنظر إلى اشتغاله على استعادة تاريخ الاعتراض اليهودي على الصهيونية. ففي كتابه الجديد «معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي»، يتتبع مسارات شخصيات يهودية عارضت المشروع الصهيوني عبر مراحل تاريخية مختلفة، مسلطاً الضوء على تيار فكري ظل حضوره محدوداً في السرديات السائدة عن اليهودية وإسرائيل.
ويحاول موزر، من خلال هذا العمل، تفكيك التصور الذي يقدم الصهيونية باعتبارها التعبير الوحيد عن الموقف اليهودي من فلسطين، مبرزاً أن تاريخ الفكر اليهودي عرف أصواتاً ناقدة رفضت تحويل الانتماء الديني أو الذاكرة التاريخية إلى مبرر لاقتلاع شعب آخر من أرضه.
وتبرز هنا مفارقة لافتة في النقاش الدائر حول فلسطين: فموزر، وهو الكاتب اليهودي الأمريكي الحائز جائزة بوليتزر، يرفض الرواية التي تحمل الفلسطينيين مسؤولية ضياع أرضهم عبر الادعاء بأنهم باعوها، ويعيد النقاش إلى الوقائع التاريخية المرتبطة بالاستيطان والتهجير ومصادرة الممتلكات، بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي تحاول تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له.
من الذاكرة التاريخية إلى نقد الحاضر
ويربط موزر بين تاريخ التهجير الفلسطيني وما يجري حالياً في غزة والضفة الغربية، معتبراً أن فهم المأساة الراهنة يقتضي العودة إلى البنية التاريخية للمشروع الصهيوني، وإلى الكيفية التي تشكلت بها علاقات السيطرة والتمييز والاقتلاع. كما يستحضر نموذج الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لفهم طبيعة النظام الذي ينتقده في إسرائيل، وما يترتب عليه من تفاوت في الحقوق والامتيازات بين السكان.
وتضع هذه المواقف الأوساط الثقافية الغربية أمام مسؤولية مراجعة الخطابات التي تفصل بين تأسيس إسرائيل ونتائجه الإنسانية والسياسية، أو تتعامل مع الرواية الفلسطينية باعتبارها سردية هامشية في التاريخ الحديث للمنطقة. كما يوجه موزر انتقادات إلى الصمت والتبرير اللذين يطبعان مواقف قطاعات من النخب الغربية إزاء السياسات الإسرائيلية.
وتكشف تجربة بنيامين موزر أن الانتماء اليهودي لا ينتج موقفاً سياسياً واحداً من الصهيونية، وأن داخل الفكر اليهودي نفسه تقاليد نقدية رافضة لاحتكار الحديث باسم اليهود أو توظيف الذاكرة التاريخية لتسويغ انتهاك حقوق الفلسطينيين. وهي شهادة تعيد الاعتبار إلى ضرورة قراءة تاريخ فلسطين من خلال تعدد مصادره وشهاداته، بعيداً عن الروايات التي تختزل شعباً وأرضاً في سردية سياسية أحادية.





