
كش بريس/التحرير ـ في كل موسم ديني أو مناسبة اجتماعية كبرى، يعود ملف المتقاعدين إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات التصاقا بالهشاشة المعيشية وضغط النفقات اليومية، حيث تتحول المعاشات الشهرية، بالنسبة لآلاف الأسر، إلى مورد وحيد لتدبير متطلبات الحياة وتكاليف المناسبات التي تزداد ثقلا عاما بعد آخر. وبين محدودية الدخل وارتفاع كلفة المعيشة، يصبح توقيت صرف المعاشات قضية ذات بعد اجتماعي يتجاوز الطابع الإداري أو التقني.
وفي هذا السياق، أعلن كل من الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، المؤسستين الخاضعتين لتدبير صندوق الإيداع والتدبير، عن تبكير موعد صرف معاشات التقاعد وإيرادات حوادث السير الخاصة بدورة يونيو 2026، تزامنا مع اقتراب عيد الأضحى.
وأوضح البلاغ الموجه إلى المستفيدين أن صرف المستحقات المالية سيتم ابتداء من 20 ماي الجاري، بدل الموعد المعتاد، بهدف تمكين المتقاعدين وذوي الحقوق من التوفر على معاشاتهم قبل حلول المناسبة الدينية.
ويأتي هذا القرار في ظرفية اجتماعية دقيقة، تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة والضغط المتزايد على القدرة الشرائية، خصوصا بالنسبة لفئات المتقاعدين التي تعتمد بشكل شبه كلي على هذه المعاشات لتغطية مصاريفها الأساسية ومتطلبات المناسبات الاجتماعية والدينية.
ورغم الطابع الإنساني والإجرائي لهذه الخطوة، فإنها تعيد إلى الواجهة النقاش المرتبط بأوضاع المتقاعدين في المغرب، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين قيمة المعاشات وواقع الأسعار، وما يرافق ذلك من مطالب متكررة بتحسين أنظمة التقاعد وضمان حد أدنى من العيش الكريم لهذه الفئة.
كما يطرح هذا الإجراء، بشكل غير مباشر، سؤال هشاشة عدد كبير من الأسر المرتبطة بدخل التقاعد، حيث تتحول المناسبات الدينية إلى محطات اختبار حقيقية للقدرة على مواجهة الأعباء المالية المتزايدة، في وقت لا تزال فيه فئات واسعة من المتقاعدين تعاني من ضعف المعاشات وغياب مواكبة اجتماعية كافية.
ويعتبر متتبعون أن تبكير صرف المعاشات، وإن كان يحمل بعدا اجتماعيا مرحليا، فإنه لا يخفي الحاجة الملحة إلى إصلاحات أعمق داخل منظومة التقاعد، تضمن العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية وتحسين شروط العيش لفئة ساهمت لسنوات طويلة في خدمة المرافق والمؤسسات العمومية.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يظل ملف التقاعد أحد الملفات الحساسة التي تتقاطع فيها الاعتبارات المالية بالرهانات الاجتماعية، بما يجعل أي إجراء ظرفي، مهما كانت أهميته، غير كاف لتجاوز الأسئلة الكبرى المرتبطة بكرامة المتقاعد ومستقبل الحماية الاجتماعية بالمغرب.



