
ـ دعا إلى إلى تعميم تدريس الأمازيغية في أفق 2031 ـ
كش بريس/التحرير ـ يضع تحالف اليسار، المكوّن من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، الثقافة واللغة في صلب تصوره السياسي للمرحلة المقبلة، مقترحاً إعادة تعريف موقعهما داخل السياسات العمومية، من قطاع غالباً ما يُدار بمنطق المناسبات والدعم الظرفي، إلى مجال يرتبط بالمواطنة والعدالة الاجتماعية وبناء الوعي وإنتاج الثروة. ويأتي هذا التصور ضمن البرنامج الانتخابي للتحالف برسم استحقاقات 23 شتنبر 2026، الذي اختار له شعار «الكرامة أولاً».
ويقترح التحالف رفع الميزانية المخصصة للثقافة تدريجياً إلى 1 في المائة من الميزانية العامة في أفق 2031، مقابل أقل من 0.3 في المائة حالياً، مع توجيه الموارد الجديدة إلى تطوير البنيات الثقافية، وتحفيز الإبداع، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع.
ويحتل هذا التصور موقعاً متقدماً في الفصل التاسع عشر من البرنامج، الموسوم بـ«التحرر الثقافي واللغوي – ترسيم فعلي للأمازيغية، إعلام عمومي حر، وثقافة شعبية متاحة للجميع». وينطلق التحالف من أطروحة سياسية واضحة مفادها أن الثقافة «حق وليست ترفاً»، وأن التعدد الثقافي واللغوي يمثل رصيداً وطنياً مشتركاً، وعنصراً مؤسساً للمواطنة والتماسك الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
ويستند البرنامج إلى تشخيص يعتبر أن الثقافة تعاني اختلالاً بنيوياً في التمويل والبنيات والولوج العمومي. ويشير إلى تراجع نفقات الأسر على الترفيه والثقافة بنسبة 74 في المائة بين 2014 و2023، لتستقر في حدود 0.5 في المائة من ميزانية الأسرة، فيما لا تزال الميزانية العمومية للثقافة دون 0.3 في المائة من الميزانية العامة. كما يسجل استمرار مدن تفتقر إلى مسرح أو دار سينما أو مكتبة عمومية عاملة، بالتوازي مع هشاشة الوضع الاجتماعي للفنانين وتراجع حماية التراث.
ولا يكتفي البرنامج بالدعوة إلى زيادة الاعتمادات المالية، إذ يقترح إعادة توزيع الخريطة الثقافية نفسها، عبر إنشاء مكتبة ومركز ثقافي عمومي مجاني في كل جماعة، وإحداث شبكة من قاعات السينما العمومية وفضاءات العروض في كل إقليم. كما يدعو إلى إطلاق خطة وطنية للقراءة العمومية، ودعم النشر والترجمة، وتوفير مكتبة في كل مؤسسة تعليمية.
وتتجاوز الرؤية مسألة البنية التحتية إلى سؤال العدالة الثقافية، من خلال اقتراح تمويلات ومحفزات هيكلية للمؤسسات الثقافية الصغرى والمتوسطة، بما يسمح بتوسيع قاعدة الفاعلين والحد من تركّز الإنتاج الثقافي والإبداعي في أيدي فئات محدودة.
وفي ملف الدعم العمومي، يقترح التحالف إعادة صياغة قواعد توزيع التمويلات الموجهة إلى الإبداع والمهرجانات، عبر لجان مستقلة ومعايير معلنة، مع إلزام الجهات المعنية بنشر لوائح المستفيدين وحجم الاعتمادات التي حصلوا عليها. كما يدعو إلى القطع مع ما يصفه بـ«منطق الريع» في تمويل المهرجانات، وربط الدعم العمومي بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وقابلية التقييم.
ويضع البرنامج الصناعات الثقافية والإبداعية ضمن القطاعات القادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية وفرص الشغل، مقترحاً دعم السينما والموسيقى والنشر والألعاب الرقمية، بما يعيد النظر في الثقافة باعتبارها مجالاً للإبداع والاستثمار والتشغيل، لا مجرد مجال للاستهلاك العمومي أو الإنفاق المؤسساتي.
ويحظى الوضع الاجتماعي للفنانين والمهنيين بموقع خاص في التصور المقترح، إذ يتعهد التحالف بالتفعيل الكامل للتغطية الصحية والتقاعد، واعتماد عقود نموذجية، وإقرار حد أدنى للأجر في القطاع الفني، بالتوازي مع حماية حقوق المؤلف وتحديث المكتب المغربي لحقوق المؤلفين.
أما الأمازيغية، فيضعها البرنامج ضمن اختبار أساسي لمدى جدية الدولة في تحويل الاعتراف الدستوري إلى ممارسة مؤسساتية يومية. ويعتبر التحالف أن ترسيمها منذ دستور 2011 وصدور القانون التنظيمي رقم 26.16 لم يؤديا بعد إلى تفعيل متوازن لطابعها الرسمي في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والفضاء العام، مع استمرار الخصاص في الموارد البشرية المتخصصة.
ولهذا يقترح اعتماد جدولة ملزمة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تشمل حضورها في الأوراق النقدية وجواز السفر والبطاقة الوطنية وسائر الوثائق الرسمية، إلى جانب تعميم تدريسها في جميع المستويات والمؤسسات التعليمية في أفق 2031، مع تكوين وتوظيف الأطر الضرورية لذلك.
ويمتد المقترح إلى الإدارة والقضاء والصحة، من خلال توفير موظفين وأعوان ناطقين بالأمازيغية، وإقرار الترجمة الفورية في المحاكم والمستشفيات، واعتماد الوثائق واللافتات الرسمية بالأمازيغية.
وفي المجال الرقمي، يدعو البرنامج إلى إدماج إلزامي لحروف تيفيناغ في منصات ومواقع الإدارات، مع تفعيل صندوق «FOMAP» لتمويل أدوات المعالجة الآلية للغة، في محاولة لربط الترسيم اللغوي بالتحول الرقمي بدل إبقاء الأمازيغية خارج البنية التكنولوجية للدولة.
ويطالب التحالف، في الإعلام العمومي، برفع حضور الأمازيغية من حيث الكم والجودة، ودعم الإنتاج الأمازيغي، مع التشديد على احترام التخصص الأكاديمي في تدريسها، وإسناد المادة إلى أساتذتها المتخصصين بدل تحميلهم مهام تدريس تخصصات أخرى تحت مسميات من قبيل «المزدوج».
ولا يقف التصور عند الأمازيغية، إذ يدعو إلى تثمين الحسانية وسائر الروافد الثقافية الوطنية، بما فيها العبرية والإفريقية والأندلسية، وتقوية المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومراكز البحث المتخصصة في اللغات والثقافات الوطنية.
وفي مجال التراث، يقترح البرنامج إطلاق جرد وطني رقمي للتراث، وترميم المدن العتيقة والقصور والقصبات، وحماية التراث غير المادي، والتصدي للاتجار في الممتلكات الثقافية. وبهذا يضع التحالف حماية الذاكرة الثقافية ضمن مسؤولية الدولة، لا باعتبارها عملية تقنية لترميم المعالم، وإنما باعتبارها جزءاً من صيانة المجال الرمزي للمجتمع.
وتحضر الثقافة التنويرية كذلك في قلب التصور السياسي للتحالف، من خلال الدعوة إلى جعل التفكير النقدي والعلم وحرية الضمير مكونات أساسية في المجال العام، ومواجهة ما يصفه البرنامج بالانغلاق والجمود الفكري. فالمطلوب، وفق هذا التصور، لا يقتصر على زيادة عدد المرافق أو تمويل الإنتاج الفني، وإنما يتصل ببناء المواطن وتوسيع دائرة المعرفة وتحصين المجتمع ضد أشكال التلقين والانغلاق.
ويقدم البرنامج تقديرات مالية لهذه الالتزامات، إذ يقدر كلفة بلوغ نسبة 1 في المائة من الميزانية العامة المخصصة للثقافة، بما يشمل البنيات ودعم الإبداع والنظام الاجتماعي للفنانين، في حدود ملياري درهم، فيما يقدر تكلفة تفعيل الأمازيغية، بما يتضمن التكوين والتوظيف والترجمة والرقمنة، بنحو 0.8 مليار درهم.
ويشير البرنامج إلى أن الغلاف الصافي المخصص لهذا الفصل يبلغ ملياري درهم، ضمن تصور تمويلي يجمع بين الثقافة والأمازيغية والرياضة والإعلام. كما يحدد أفق 2031 مجموعة من الأهداف، من بينها تعميم تدريس الأمازيغية، وتوفير مكتبة عمومية عاملة في كل جماعة، وتوسيع الولوج إلى البنيات الثقافية والإبداعية، مع الإشارة في خاتمة الأهداف إلى رفع ميزانية الثقافة إلى 2 في المائة من الميزانية.
وتكشف هذه المقترحات عن محاولة لتحويل الثقافة من هامش السياسة العمومية إلى أحد ميادين الصراع حول معنى الدولة والمواطنة والعدالة الاجتماعية. فالمسألة، وفق المنطق الذي ينتظم البرنامج، لا تختزل في بناء مسرح أو مكتبة أو قاعة سينما، وإنما تتصل بمن يملك حق الوصول إلى المعرفة، ومن يحدد شروط إنتاجها، وكيف توزع الدولة مواردها الرمزية والمادية، ومن يستفيد من الدعم العمومي.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الرهان الثقافي الذي يقترحه تحالف اليسار يتجاوز سؤال الميزانية إلى مساءلة النموذج الذي حكم تدبير الثقافة لعقود: مركزية جغرافية، تفاوت في الولوج، هشاشة مهنية، دعم عمومي يحتاج إلى شفافية أكبر، وتفاوت بين الاعتراف الدستوري باللغات الوطنية وبين حضورها الفعلي في المؤسسات. غير أن قوة هذه الرؤية ستظل رهينة بقدرتها على الانتقال من لغة البرنامج الانتخابي إلى هندسة مؤسساتية قابلة للتنفيذ والقياس، لأن رفع الاعتمادات المالية لا يصنع وحده سياسة ثقافية، كما أن إعلان الحقوق لا يكفي لتحويلها إلى ممارسة يومية.
فالاختبار الحقيقي لأي مشروع ثقافي لا يبدأ عند لحظة الإعلان عن الميزانية، وإنما عند سؤال أعمق: كيف تتحول الثقافة إلى حق اجتماعي قابل للممارسة، وكيف يصبح التنوع اللغوي والثقافي جزءاً من بنية الدولة، وكيف يمكن تحرير الإنتاج الإبداعي من الزبونية والريع دون الوقوع في وصاية جديدة على الخيال والمعرفة؟ هنا تحديداً تتحدد المسافة بين الثقافة بوصفها شعاراً انتخابياً، والثقافة بوصفها مشروعاً لإعادة بناء المجال العمومي.




