‏آخر المستجداتالمجتمع

تقرير حقوقي ينتقد واقع الحرية الدينية بالمغرب ويكشف فجوة بين الضمانات الدستورية والممارسة

كش بريس/التحرير ـ

انتقد تقرير حقوقي حديث واقع الحرية الدينية في المغرب، معتبراً أن عدداً من المقتضيات القانونية والممارسات الإدارية ما تزال تفرض قيوداً على ممارسة بعض الحقوق المرتبطة بالدين والمعتقد، بما يكشف، وفق معدّي التقرير، عن فجوة بين الضمانات التي ينص عليها الدستور وبين كيفية ترجمتها في الواقع.

وصدر التقرير، أمس الثلاثاء، عن منظمة «إنترناشونال كريستيان كونسيرن»، المعنية بقضايا الحرية الدينية وحقوق المسيحيين والأقليات الدينية، بشراكة مع مركز العدالة التابع لجامعة «ريجنت» في ولاية فرجينيا الأمريكية، حيث خصص جزءاً مهماً منه لتحليل الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للحرية الدينية في المغرب.

الدستور بين ضمان الحرية وأولوية الهوية الإسلامية

ويرى التقرير أن الفصل الثالث من الدستور المغربي، الذي ينص على أن «الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية»، يؤسس، من حيث المبدأ، لضمان دستوري للحرية الدينية، غير أن هذه الضمانة، بحسب المصدر ذاته، تصطدم بمقتضيات قانونية أخرى تحد من نطاقها.

ويستند التقرير، في هذا السياق، إلى الفصل 64 من الدستور، الذي يقيد حرية التعبير بالنسبة لأعضاء البرلمان في ما يتعلق بالآراء التي قد تتضمن طعناً في الدين الإسلامي، معتبراً أن هذا النوع من المقتضيات يكرس، من وجهة نظر معديه، تمييزاً في مستوى الحماية القانونية بين الإسلام وغيره من المعتقدات.

ويخلص التقرير إلى أن هذا الوضع ينتج، بحسب قراءته، علاقة غير متكافئة بين مبدأ حرية المعتقد وبين حماية الهوية الدينية للدولة، بحيث تصبح ممارسة الحرية الدينية مرتبطة بحدود تفرضها المنظومة القانونية ذاتها.

الفصلان 220 و222 في صلب الانتقادات

وتوقف التقرير بشكل خاص عند بعض مقتضيات القانون الجنائي، وفي مقدمتها الفصل 222 المتعلق بالإفطار العلني خلال شهر رمضان، معتبراً أن صياغته تثير إشكالات تتعلق بحدود التجريم ومعايير تطبيقه.

ويشير التقرير إلى أن النص يربط العقوبة بالمجاهرة بالإفطار بالنسبة لمن «عرف باعتناقه الدين الإسلامي»، غير أنه يرى أن تطبيق المقتضى قد يوسع عملياً من دائرة التجريم لتشمل مجرد الأكل أو الشرب أو التدخين في الأماكن العامة، دون التحقق بالضرورة من عنصر الاستفزاز أو القصد الذي يربطه النص بفعل المجاهرة.

كما يثير التقرير إشكالية العبارة المتعلقة بمن «عرف باعتناقه الدين الإسلامي»، معتبراً أنها قد تفتح المجال أمام تحديد الهوية الدينية للفرد استناداً إلى نظرة المجتمع أو السلطات إليه، بدلاً من إرادته الشخصية، وهو ما يرى معدو التقرير أنه قد يطال أشخاصاً غير مؤمنين أو من اعتنقوا ديانات أخرى أو من اختاروا عدم ممارسة الشعائر الإسلامية.

وفي السياق ذاته، ينتقد التقرير الفصل 220 من القانون الجنائي، الذي يجرم بعض الأفعال المرتبطة بمحاولة زعزعة عقيدة المسلم، معتبراً أن صياغته، بحسب تقديره، تترك مجالاً واسعاً للتأويل والتقدير في ما يتعلق بالتعبير عن المعتقدات الدينية.

الأمم المتحدة حاضرة في التقرير

ويستند التقرير كذلك إلى ملاحظات سابقة للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ولا سيما تلك الصادرة عقب المراجعة الدورية للمغرب سنة 2016، والتي عبرت خلالها اللجنة عن مخاوف بشأن بعض القيود المفروضة على الممارسات الدينية غير الإسلامية.

ويذكر التقرير أن اللجنة الأممية أوصت بمراجعة أو إلغاء المقتضيات والممارسات التي قد تتعارض مع حرية الفكر والوجدان والدين ومع مبدأ عدم التمييز، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمغرب، ولا سيما في إطار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الدفن.. الجانب الآخر من إشكالية الحرية الدينية

ولم يقتصر التقرير على الممارسات الدينية خلال حياة الأفراد، وإنما تناول أيضاً مسألة الدفن، معتبراً أن غير المسلمين، بمن فيهم المسيحيون والمهاجرون والرعايا الأجانب، يواجهون صعوبات مرتبطة بغياب ترتيبات دفن يعتبرها التقرير محايدة دينياً.

ويشير المصدر إلى أن غالبية المقابر في المغرب مخصصة للمسلمين، بينما توجد ترتيبات خاصة بالمقابر اليهودية، معتبراً أن محدودية الخيارات المتاحة لغير المسلمين قد تفرض أعباء إضافية على بعض الأسر.

ويورد التقرير مثالاً يتعلق بتكاليف الدفن في منطقة الرباط-سلا-القنيطرة، مدعياً أن تكلفة الجنازة الإسلامية قد تتراوح بين 2000 و3000 درهم، مقابل نحو 27 ألف درهم بالنسبة للجنازة المسيحية، وهو فارق يعتبره التقرير كبيراً، خصوصاً بالنسبة للمهاجرين ذوي الدخل المحدود.

ويرى معدو التقرير أن ارتفاع تكاليف الدفن المسيحي، إلى جانب صعوبة إعادة الجثامين إلى بلدان الأصل، قد يجعل بعض المهاجرين أمام خيارات محدودة، معتبرين أن مسألة الدفن تكشف، في تصورهم، عن جانب آخر من التفاوت في ممارسة الحقوق الدينية.

بين الالتزام الدولي والخصوصية الدستورية

ويضع التقرير هذه الملاحظات ضمن نقاش أوسع حول العلاقة بين الهوية الدينية للدولة ومبدأ حرية المعتقد، معتبراً أن مصادقة المغرب على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب مقتضيات الدستور، تفرض عليه التزامات بحماية حرية الفكر والوجدان والدين.

ويشمل ذلك، وفق التقرير، حق الفرد في اعتناق معتقد ديني أو غير ديني، أو تغييره أو رفضه، فضلاً عن حقه في إظهار معتقده وممارسته دون إكراه.

وفي المقابل، فإن قراءة التقرير تظل محكومة بمنظور الجهات التي أعدته، وهي منظمات تركز أساساً على قضايا الحرية الدينية وحقوق المسيحيين والأقليات، ولذلك فإن خلاصاته تمثل تقييماً حقوقياً من زاوية محددة، ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي المغربي أو إجماعاً مستقراً حول تفسير المقتضيات القانونية والدستورية موضوع التقرير.

الحرية الدينية أمام اختبار التوازن

ويعيد التقرير، في نهاية المطاف، طرح سؤال مركزي يتعلق بحدود التوازن بين الهوية الدينية للدولة وحرية الفرد في المعتقد والوجدان. وهو نقاش يتجاوز الحالة المغربية إلى إشكالية أوسع تواجه عدداً من الدول ذات المرجعيات الدينية، تتعلق بكيفية التوفيق بين حماية الهوية الدينية والثقافية للمجتمع وبين الالتزامات الدولية المتعلقة بحرية المعتقد وعدم التمييز.

وبالنسبة للمغرب، يضع التقرير هذا النقاش أمام سؤال الإصلاح القانوني والممارسة المؤسساتية، خصوصاً في ما يتعلق بتفسير النصوص الزجرية، وحماية حرية الضمير، وضمان المساواة في ممارسة الشعائر والحقوق المرتبطة بالمعتقد، مع مراعاة طبيعة النموذج الدستوري المغربي الذي يجمع بين التنصيص على إسلام الدولة وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button