
كش بريس/التحرير ـ رصدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، في تقرير حقوقي عرضت مضامينه اليوم الثلاثاء بالرباط، جملة من الانتهاكات التي رافقت عمليات العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، معتبرة أن خطورتها تستوجب فتح تحقيقات جدية وترتيب المسؤوليات، خصوصا في ما يتصل بالحق في الحياة والسلامة الجسدية وضمانات المحاكمة العادلة.
وأفاد التقرير بأن أحداث العبور نحو سبتة أفضت إلى نتائج بالغة الخطورة على مستوى حقوق الإنسان، في مقدمتها تسجيل وفيات قدرتها السلطات الإسبانية في 100 حالة، مقابل 14 وفاة وفق المعطيات الرسمية المغربية. كما رافقت هذه العمليات مواجهات وأعمال عنف أسفرت عن إصابات، فضلا عن إحراق سيارات عمومية وخاصة، وتوقيف نحو 100 شخص، من بينهم قاصرون، إلى جانب الحكم على عدد من سائقي سيارات الأجرة في تطوان بستة أشهر حبسا.
وسجلت المنظمة، في السياق ذاته، مؤشرات على استعمال القوة المفرطة، معتبرة أن طبيعة هذه الوقائع تفرض إجراء تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات والكشف عن ملابسات ما جرى.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، وتحديدا عند معبر بني أنصار المؤدي إلى مليلية المحتلة، وثق التقرير أحداث عنف أعقبت محاولات العبور الجماعي، وأسفرت عن إصابات وأضرار طالت مرافق عمومية. كما تمت متابعة نحو 50 شخصا، يوجد 43 منهم رهن الاعتقال، فيما صدرت أحكام بالإدانة في حق أكثر من نصف المتابعين.
وأثار التقرير إشكالية المحاكمات التي جرت في ظل استمرار إضراب هيئة الدفاع، ما حال، بحسب المنظمة، دون تمتع عدد من المتابعين بضمانات الدفاع الكاملة. واعتبرت أن هذه الوضعية تطرح أسئلة جدية حول شروط المحاكمة العادلة، خصوصا بالنسبة لأشخاص يفتقرون إلى المعرفة القانونية اللازمة للدفاع عن أنفسهم.
وفي ما يتعلق بدعوات العبور الجماعي التي تزامنت مع 15 غشت، أشار التقرير إلى تسجيل حالات عرقلة لحق بعض المسافرين في التنقل، بناء على الاشتباه في نيتهم التوجه إلى سبتة. وأسفرت التدخلات الأمنية عن توقيف 294 شخصا، بينهم 248 من مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربيا، بالتزامن مع تسجيل تضييقات طالت عمل عدد من الصحافيين الذين كانوا يتابعون الأحداث.
وربطت المنظمة تصاعد هذه العمليات بمجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها الدور الذي تؤديه شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الراغبين في الهجرة، وانتشار معلومات مضللة بشأن إمكانية تسوية أوضاع الأشخاص الذين يصلون إلى إسبانيا عبر البحر، فضلا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتطلع فئات واسعة إلى تحسين ظروف عيشها، في ظل محدودية مسارات الهجرة النظامية والسياسات التقييدية المرتبطة بها.
وضع إنساني مقلق في سبتة
وتوقف التقرير عند الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للعابرين الموجودين في سبتة، وخصوصا الأطفال والنساء والفتيات، واصفا الظروف التي يعيشونها بالمأساوية، في ظل ما قال إنه تعرض لفئات منهم لانتهاكات متعددة.
وسجلت المنظمة نقصا حادا في الماء والغذاء، إلى جانب منع بعض العابرين من دخول المحلات التجارية لاقتناء حاجياتهم، واضطرارهم إلى الاعتماد على مساعدات محدودة تقدمها الجمعيات وبعض سكان المدينة. كما حذرت من تدهور الوضع الصحي وغياب ظروف الإيواء الملائمة، فضلا عن تنامي مظاهر العنصرية وخطاب الكراهية.
وأورد التقرير شهادات بشأن تعرض عدد من الموجودين في المدينة لأعمال عنف واعتداء، ولا سيما النساء والفتيات، بما في ذلك اعتداءات ذات طبيعة جنسية. وأشار إلى تسجيل خمس حالات بصورة رسمية، فيما رفعت إفادات استقتها المنظمة العدد المحتمل للاعتداءات الجنسية إلى نحو 30 حالة، وهي معطيات دعت إلى التعامل معها بالجدية اللازمة والتحقيق فيها.
واعتبرت المنظمة أن تشديد المراقبة الحدودية، وإقامة الحواجز والأسوار، بما في ذلك الحواجز العائمة التي يبلغ طولها نحو 500 متر قبالة معبر تراخال، لن يكون كافيا لوقف محاولات الهجرة، ما لم تتم معالجة الأسباب العميقة التي تدفع إليها.
مقاربة حقوقية لمعالجة ظاهرة العبور
ودعت المنظمة إلى أن تقوم معالجة تداعيات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية على احترام الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، مع ضمان الحماية القانونية والولوج الفعلي إلى العدالة، واحترام مبدأ العودة الطوعية، وجعل «المصلحة الفضلى للطفل» مرجعا أساسيا في القرارات والإجراءات المتعلقة بالقاصرين.
وأكدت أن الحد من ظاهرة العبور الجماعي يقتضي الانتقال من المقاربة الأمنية الضيقة إلى معالجة متعددة الأبعاد، تجمع بين الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني، وتضع الكرامة الإنسانية وصون الحق في الحياة وحماية الأطفال والنساء والشباب في صدارة الأولويات.
كما شددت على ضرورة تعزيز آليات الولوج إلى العدالة، وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية، باعتبارها شروطا أساسية لبناء سياسة أكثر استدامة وفعالية في مواجهة دوافع الهجرة، بدل الاكتفاء بإجراءات المنع والردع التي أثبتت محدوديتها في احتواء الظاهرة.




