‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

تقرير دولي يكشف اختلالات بنيوية تعيق خلق فرص الشغل في المغرب

كش بريس/التحرير ـ يرسم تقرير البنك الدولي المعنون بـ “النمو والوظائف من أجل مغرب مزدهر” صورة مركبة لاقتصاد يتحرك بين حدّين متباعدين: طموح تنموي مُعلن ضمن النموذج الجديد، وواقع اقتصادي لا يزال عاجزًا عن تحويل هذا الطموح إلى دينامية تشغيلية ملموسة. فبينما تبدو المؤشرات الكلية في ظاهرها إيجابية، يكشف التحليل العميق عن اختلال بنيوي يؤجل تحقق الوعود الكبرى.

اقتصاد يتقدم بلا قوة دفع اجتماعية

يشير التقرير إلى أن المغرب نجح، بفضل الاستقرار السياسي وتدبيره الاقتصادي الحذر، في بناء اقتصاد متنوع نسبياً، مع توسع ملحوظ في البنيات التحتية وبروز قطاعات تصديرية جديدة وتحسن نسبي في مستويات العيش. غير أن هذه التحولات لم تُفضِ إلى إعادة تشكيل البنية العميقة للاقتصاد، خصوصاً في ما يتعلق بقدرته على خلق فرص شغل كافية تستوعب التزايد المستمر في اليد العاملة.

الاستثمار المرتفع والعائد المحدود

رغم أن معدل الاستثمار يناهز 30% من الناتج الداخلي الخام، وهو من بين الأعلى عالمياً، فإن مردوديته تظل دون التوقعات. فالتراكم الرأسمالي لا يواكبه ارتفاع مماثل في إنتاجية العمل، ما يكشف عن خلل في توجيه الموارد أو في كفاءة استخدامها، ويطرح سؤال الفعالية بدل الكمية.

هيمنة القطاع العمومي وتقييد المبادرة الخاصة

يبرز التقرير أثر حضور الشركات المملوكة للدولة في خنق الدينامية التنافسية، سواء عبر استحواذها على جزء مهم من التمويل المحلي أو عبر احتكارها لقطاعات استراتيجية. هذا الوضع يحدّ من قدرة المقاولات الخاصة، خاصة الناشئة منها، على الولوج إلى الموارد والنمو، وهو ما ينعكس سلباً على الابتكار والإنتاجية.

مفارقة كثرة المقاولات وندرة فرص الشغل

رغم وجود مئات الآلاف من المقاولات، فإن أثرها على التشغيل يظل محدوداً. ويعود ذلك أساساً إلى هيمنة المقاولات الصغيرة جداً، التي تشتغل في قطاعات غير قابلة للتصدير، وبنطاق ضيق لا يسمح بخلق فرص عمل واسعة. كما أن انتشار العمل غير المهيكل، حتى داخل المقاولات الرسمية، يضعف جودة التشغيل ويحدّ من استدامته.

دينامية مقاولاتية معطلة

في الاقتصادات النشيطة، تُعد المقاولات الناشئة رافعة أساسية للتشغيل والإنتاجية، إذ تنمو بسرعة وتُحدث تحولات في السوق. غير أن هذه الدينامية تظل ضعيفة في المغرب، حيث تعاني المقاولات من قيود ضريبية وتنظيمية ومالية تعيق توسعها، بل وتدفعها أحياناً إلى البقاء في حجم صغير لتفادي الكلفة.

سوق شغل مأزوم وتوقعات غير متطابقة

لا يرتبط ضعف التشغيل فقط بندرة الفرص، بل أيضاً بتغير سلوك الباحثين عن العمل. فقد ارتفعت نسبة العزوف عن البحث، خصوصاً في صفوف المتعلمين، بسبب فجوة بين تطلعاتهم للأجور ونوعية الوظائف المتاحة، التي يغلب عليها الطابع غير المهيكل وضعف الأجور. كما ساهمت التحويلات المالية من الخارج في تخفيف الضغط الاجتماعي، ما قلل من الإقبال على بعض الوظائف.

اختلال التوافق بين التعليم وسوق العمل

يعاني النظام التعليمي من ضعف في مواءمة مخرجاته مع حاجيات الاقتصاد، حيث يشتغل عدد كبير من الخريجين في وظائف دون مستوى تأهيلهم. هذه المفارقة تُهدر جزءاً مهماً من الرأسمال البشري وتُضعف مردودية الاستثمار في التعليم.

القطاع القروي تحت ضغط التحولات المناخية

أدى توالي سنوات الجفاف إلى فقدان عدد كبير من فرص العمل في العالم القروي، خصوصاً في القطاع الفلاحي، ما ساهم في تسريع وتيرة الهجرة الداخلية دون أن يتمكن الاقتصاد الحضري من امتصاص هذه اليد العاملة.

النساء: إمكانات معطلة في معادلة النمو

تظل مشاركة النساء في سوق العمل ضعيفة ومتراجعة، رغم التحسن في مستويات تعليمهن. ويُعزى ذلك إلى معيقات قانونية واجتماعية ومؤسساتية تحدّ من اندماجهن الاقتصادي، ما يجعل منهن طاقة إنتاجية غير مستغلة بالشكل الكافي.

نحو إصلاحات مترابطة بدل حلول جزئية

يدعو التقرير إلى تبني مقاربة إصلاحية شاملة تقوم على تعزيز التنافسية، ودعم نمو المقاولات، وتحسين فعالية الاستثمار العمومي، وتوسيع المشاركة في سوق العمل. كما يشدد على ضرورة تحقيق تكافؤ الفرص، وتيسير تمويل المقاولات، وإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، وتمكين النساء، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد.

آفاق مشروطة بإرادة الإصلاح

يخلص التقرير إلى أن المغرب يمتلك إمكانات مهمة لتحقيق قفزة نوعية في النمو والتشغيل، شريطة تنفيذ إصلاحات منسقة وعميقة. فبدون رفع الإنتاجية، قد يؤدي توسيع سوق العمل إلى نتائج عكسية على مستوى الأجور. ومن ثم، فإن تجاوز الفجوة بين الطموح والواقع يمر عبر بناء رؤية إصلاحية متكاملة، لا تكتفي بمعالجة الأعراض، بل تستهدف جذور الاختلال.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button