
كش بريس/التحرير ـ كشفت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي عن معطيات جديدة تعيد رسم الخريطة الاجتماعية للمستفيدين من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، من خلال تصنيف إحصائي يروم الانتقال من منطق التوزيع العام إلى مقاربة أكثر استهدافًا ودقة.
ووفق الدراسة التي أنجزتها المؤسسة، فإن قرابة أربعة ملايين أسرة جرى توزيعها على خمس فئات اجتماعية كبرى، تختلف من حيث البنية الديمغرافية والحاجيات الاقتصادية ومستوى الهشاشة.
منهجية تصنيف متعددة الأبعاد
الدراسة، المعنونة بـ“من هم المستفيدون من الدعم الاجتماعي المباشر؟”، اعتمدت على حزمة من المؤشرات شملت المجال الترابي، والفئة العمرية، والنوع الاجتماعي، والحالة العائلية، وتركيبة الأسرة، وتمدرس الأطفال. وتهدف هذه المقاربة إلى فهم أعمق لواقع الأسر، بما يسمح بتصميم تدخلات تتلاءم مع خصوصية كل فئة بدل الاكتفاء بدعم مالي موحد.
الأسر الناشئة: هشاشة البدايات
تصدرت فئة “الأسر الناشئة” قائمة المستفيدين بما يفوق 1.2 مليون أسرة. وتضم هذه الفئة أزواجًا في الأربعينيات غالبًا، لديهم أطفال صغار ويواجهون ضغط تكاليف المعيشة والتربية والسكن. وترى الوكالة أن هذه المرحلة العمرية حساسة، إذ يمكن لمواكبة ملائمة أن تحول دون انزلاق هذه الأسر إلى فقر مزمن، وتدعم استقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
أسر في مرحلة انتقالية حرجة
في المرتبة الثانية حلت فئة “الأسر عند مفترق الطرق” بحوالي 986 ألف أسرة، يقودها أشخاص في الخمسينيات، أغلبهم في الوسط القروي. وتعيش هذه الأسر مرحلة دقيقة مع اقتراب الأبناء من سن الاندماج المهني، حيث يشكل التعليم والتكوين بوابة أساسية لتفادي إعادة إنتاج الهشاشة. ويبرز هنا دور الدعم في كسر حلقة انتقال الفقر بين الأجيال.
شيخوخة بلا تقاعد
أما فئة “رفقاء الدرب”، التي تضم نحو 964 ألف أسرة، فتتكون أساسًا من أزواج مسنين يفتقرون إلى معاش تقاعدي أو دخل قار، خاصة في المناطق القروية. وتواجه هذه الشريحة تحديات متصلة بالرعاية الصحية وصعوبة التنقل وارتفاع تكاليف العيش، ما يجعل الدعم الاجتماعي بالنسبة إليها بمثابة شبكة أمان حيوية لضمان الحد الأدنى من الكرامة.
نساء في عزلة متزايدة
الدراسة سلطت الضوء كذلك على فئة “نساء في وضعية العش الفارغ”، وتضم أكثر من 584 ألف امرأة مسنة يعشن بمفردهن بعد مغادرة الأبناء أو في حالات عدم الإنجاب. وتُعد هذه الفئة من الأكثر عرضة للعزلة والهشاشة الاقتصادية، ما يستدعي سياسات موجهة تعزز ولوجهن إلى الخدمات الصحية والاجتماعية وتحد من مخاطر الإقصاء.
أفراد بلا سند عائلي
أصغر الفئات عددًا هي “أفراد دون معيل”، بحوالي 156 ألف شخص يعيشون بمفردهم في مناطق شبه حضرية أو قروية. وتبرز هنا الحاجة إلى برامج إدماج اقتصادي وتكوين مهني، إلى جانب تدخلات اجتماعية وقائية تحول دون تفاقم أوضاعهم.
الهشاشة عابرة للجهات
وأفادت الوكالة بأن الفئات الخمس موزعة على مجموع جهات المملكة، ما يعني أن الهشاشة ليست مرتبطة بمجال جغرافي محدد، بل تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب السياقات المحلية. لذلك دعت إلى تبني مقاربة ترابية دقيقة تراعي الخصوصيات الديمغرافية والاقتصادية لكل جهة، ضمانًا لعدالة الاستهداف وفعالية التدخلات.
في المحصلة، تعكس نتائج الدراسة تحولًا في فلسفة تدبير الدعم الاجتماعي المباشر، من آلية تحويلات مالية إلى أداة قائمة على المعرفة الدقيقة بالبنيات الأسرية ومسارات عيشها. وهو تحول يراهن على توجيه السياسات نحو الإدماج والاستقلالية بالنسبة للفئات القادرة على تجاوز الهشاشة، مع ترسيخ شبكات حماية مستدامة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر الاجتماعية.





