
مع كل استحقاق انتخابي، تشريعي او جماعي ، ينبعث الأمل في أن يشكل خطوة نوعية في مسار البناء الديمقراطي ، السليم، وقطيعةمع ممارسات الماضي المشينة، إلا أن ذلك الأمل سرعان ما يخبو ويخيب رغم ترسانة القوانين الضابطة للتنافس الحزبي الانتخابي . ذلك ما يؤكد أن العائق الرئيس في وجه البناء الديمقراطي يتمثل في ضعف ثقافة المجتمع، وثقافة النخب السياسية، الحزبية خصوصا، وعدم تمثلها للديمقراطية كثقافة ، وكاخلاق توجه الممارسة السياسية وتضبطها بالقيم الاخلاقية الحديثة والكونية ، وتلك المورروثة من المصادر التقليدية للمجتمع ( الدينية وغيرها) الناهية عن الغش والاحتيال والتزوير والانتهازية والجري وراء الجاه والمال والتوريث للمقاعد والحقائب للاهل والأبناء…الى غير ذلك مما جربناه ،لامد طويل ، ولازلنا نعاين رواسبه ومظاهره المتجددة . هكذا يصبح نقد اي انتهاك ، سواء من طرف السلطة او الاحزاب للضوابط المؤسسية القانونية والاخلاقية للممارسة السياسية عموما ، حقا وواجبا من حقوق وواجبات المواطنة الايجابية والفاعلة ،وخاصة النقد للاحزاب، مادام يفترض فيها أن تشكل فعلا فضاءات للتربية على المواطنة وعلى الديمقراطية كثقافة وأخلاق.
وعليه، فالمطلوب مواكبة خطاب وفعل الاحزاب مواكبة نقدية ما دام وجودها شرطا لازبا من شروط ارساء الديمقراطية، مع الحرص على عدم سقوط النقد في المغالاة المبتذلة والتيئيسية (رغم مبرراتها المشروعة بفعل واقع تعفن أمراض الحقل الحزبي)، فهي( المغالاة) تساهم ، إما بوعي وقصدية، أو بدونهما، في تكريس واقع الاستبداد، وشرعنة السلطوية بمفردات ديمقراطية زائفة وعديمة المصداقية، و في تمديد أمد وضعية انغلاق المجال السياسي الوطني ، و احتكاره من طرف أصوات وقوى متماهية مع صوت السلطة، مجترة لخطابها، ووعود أفقها غير الواعد، وفي ذلك أوخم العقابيل على السلطة والمجتمع.
لنمارس ، إذن، حق وواجب النقد الحزبي بما يقوم، ويرشد ، و بما يجنب من الوقوع في مطب ” العدمية الحزبية” او ” الكفر بالظاهرة الحزبية” كظاهرة حديثة ، و يفتح ، بالتالي، أفقا لتجاوز الاخطاء والمنزلقات، وهي عديدة، ومنها ما هو منحط.
إن واجب وحق النقد الحزبي ينبعان من، بديهة أنه لا ديمقراطية، كما هو متعارف على أسسها كونيا ، بدون أحزاب ديمقراطية حقا، و مستقلة الإرادة والقرار ،وذات امتداد وتجذر في المجتمع..




