‏آخر المستجدات‏أخبار وطنيةفنون وثقافة

جمال بندحمان ل(كش بريس): وزارة الثقافة تدبر اليومي وتشتغل بالانشطة لا بالبرامج وماتنجزه يصاحب بالمواقف الرافضة..

يرى الباحث الدكتور جمال بندحمان، أن جزءا كبيرا من مشاكلنا تحتاج إلى أجوبة ثقافية، ففي قضايا الهوية والاختيارات اللغوية والمجتمعية، وفي أمور الحكامة والعيش المشترك والافق الديمقراطي والتنمية والجهوية وغيرها، بيد أنه يضيف بندحمان “نحن بحاجة إلى تقييم تدبير السياسات العمومية”، وسط مشهد ثقافي كان دائما عرضة للانتهاك، وغياب البوصلة، والنظرة التبخيسية للمثقف وما ينتج عنه”.

في هذا الحوار الصريح والصارخ، الذي نستضيف فيه المفكر والباحث الدكتور جمال بندحمان، أجوبة بليغة عن غياب بوصلة التدبير الثقافي ببلادنا، مؤسساتيا وبرنامجيا ورؤية ..

ـ س 1. بنظركم، لماذا هذا الارتباك وافتقاد البوصلة، في مشهد سياسي عام، تقع فيه الثقافة في الزاوية الدنيا، وتتحول فيه الأنظار إلى مطعمة مفتوحة للتيه والضبابية وانعدام الرؤية؟
ج ـ اسمحوا لي، بداية، بتوجيه الشكر لكم، ولموقعكم الاعلامي المتميز بجديته ورصانته وموضوعيته، مما يمنحنا جرعات امل في اعلام مواطن. وتفاعلا مع سؤالكم اقول إن المشهد الثقافي بالمغرب كان دائما عرضة للانتهاك، وغياب البوصلة، والنظرة التبخيسية للمثقف وما ينتج عنه.
اليوم لاتتحدث عن وضع جديد،لكننا نتحدث عن ارتفاع في درجة كل ماسبق، وعن استباحة مطلقة للشان الثقافي، وكرامة المثقف، وانتهاك لحريته في القرار والموقف والاختيار.
المثقف اليوم إما مزعج ينبغي إسكاته، أو منسحب من كل ماله صلة بقضايا الثقافة والشأن العام، أو منتظر لفرج قد يأتي أو لا يأتي، أو منبطح يبحث عن إعانة ودعم يقي به وضعه، لكن علينا أن ننتبه إلى أن هذه الصفات جميعها ليست اختيارات، بل انها نتيجة لما اسميتموه في سؤالكم الضبابية وانعدام الرؤية، لأن سيادتهما تخلق الانتظارية القاتلة، وتنعش الانتهازية الفانية، وتتعب الثقافة الجدية لان شروط فعلها تكون محاصرة أو معدومة.
……
ـ س 2، سبق وعبرتم عن افتقاد وزير القطاع لرؤية استراتيجية لتدبير مرفق كبير عليه. والحال أن الأهواء السياسية في البلاد ، وما يستتبعها من آفات، تضع الثقافة في المؤخرة، وترسخ المفهوم العدائي الدائم لها ولحاملي ألويتها. ما الذي تغير؟ ومن يملك الرؤية والجرأة لتقديم البدائل؟
ج : يسعى التقييم الذي نقدمه إلى تقييم تدبير السياسات العمومية، وما يهمنا هو هو السياسة الثقافية، ومعنى ذلك أن التقييم ليس موجها إلى شخص، بل إلى اختيارات رأسها المسؤول عن تدبير الشأن الثقافي، وبما أن المسؤولية قريبة المحاسبة، وبما أن الدستور أقر مبادئ الديمقراطية التشاركية فأننا ، ومن هذا المنظور، نرى أن الوزارة الحالية تدبر اليومي، وتشتغل بالانشطة لا بالبرامج، وأن ماتنجزه يصاحب بالمواقف الرافضة؛ يكفي أن أعطي مثالين دالين:
المثال الاول هو ردود الفعل و النقاش الذي، واكب ما ارتبط بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة له
المثال الثاني هو التعسف في تأويل المادة 13من المرسوم المنظم لجائزة المغرب للكتاب، وما تلا ذلك من قرارات مجحفة في حق المثقف وكرامة المثقفين.
أما مسألة البدائل التي تفضلتم بالحديث عنها فإنها لن تتحقق في ظل غياب مشروع ثقافي وطني، منطلقه الاساس حوار وطني يخلص إلى تحديد ميثاق الثقافة المغربية ووضع خارطة طريق للاولويات الثقافية خارج دائرة أي وصاية أو تحكم.
س 3. ـ أخطاء الوزير المتكررة والحكومة من ورائه. لكن لماذا ينخرط مثقفو الموائد والمناسبات، خلف ذلك، ماعدا بعض من ضمائر قليلة. هل تكون هذه السيرورة ملاذا لإيقاظ الحواس من الغفلة؟ أم أن الظرفية السياسية والاقتصادية، غالبا ما تسيطر على النهايات؟ وتعود حوامل التدوير والإغفال إلى ما كانت عليه؟.
ج3. احييكم على هذا السؤال، وأشدد على عبارتكم الدالة(مثقفو الموائد و المناسبات)لأنها تعكس، للأسف خدلان الثقافة من قبل بعض المنتسبين إليها، والذين يفتقدون بدورهم مبادئ المشروع الثقافي ومرتكزاته، لكن هؤلاء يطويهم التاريخ، لأن كل واحد يحمل علامته فوق ظهره، ورغم قلتهم فإنهم يطبعون مع الريع، ويعرقلون مسار الثقافة الجادة ، وأعتقد أن مسار الشعوب والمجتمعات الحية يؤكد أن ما يستمر هو الأفكار النبيلة، والارادات الصادقة، والباقي فتات. لذلك ينبغي أن نثق في المستقبل، وأن نؤمن بأن المسؤول عابر، وأن البلد باق، لذلك ينبغي الا يستقل المثقف من ابداء الرأي والموقف، والاستعداد لتغييرهما اذا ما أقنعه الآخرون بصحة وجهة نظرهم. لكن تراكم أخطاء التدبير الرسمي للشأن الثقافي تؤكد أن وجهة النظر هذه مازالت كسيحة.
س4.ـ من بين أهم القضايا المثيرة، التي بصمت عهد الوزير إياه، إلغاؤه للجوائز واحتقاره للمثقفين، وتحويل موقع معرض الكتاب، وتقشفه الشديد إزاء كل ما هو منتوج ثقافي وفني؟ أليس هذا كافيا لإعادة النظر في التعاطي مع سياساته ؟ بل ومقاطعتها، كما تدعون
ج.4. نعود هنا إلى منطق السؤال السابق مع تفصيل اكثر، والتفاصيل هنا مؤلمة حقا لأن كرامة المثقف جزء اساس لتقوية حضور الثقافة في المجتمع، وحافز ضروري له للقيام بأدواره. فهل الغاء جائزة المغرب للكتاب المنظمة بمرسوم قرار سليم؟وهل الغاء نتائجها المعلنةلسنة 2021 وجر الفائزين بها إلى ردهات المحاكم قرار سليم؟وهل فرض نقل المعرض الدولي للكتاب من الدارالبيضاء الى الرباط قرار سليم؟وعلى أي أساس تم ذلك؟ وهل تشجيع نمط معين من الفنون وتوفير كل الامكانات له قرار سليم؟وهل عدم الانصات والحوار مع المثقفين قرار سليم؟وما الذي يمكن أن يدفع مواطنا من أبناء الوزارة والمنتسبين إليها إلى قرار الانتحار أمام أبوابها؟ لماذا لم تنصت اليه وزارة تحمل صفة(التواصل) وزارة الشباب والثقافة والتواصل؟
إنها أسئلة تحمل أجوبتها، وهي كافية إلى مقاطعة ما تشرف عليه الوزارة، علما بأن المقاطعة إنذار بأن الأسوء قادم. فما الذي يتوقعه المثقفون، وقد وصل الأمر بواحد منهم إلى التضحية بحياته وهو الذي عاش في بيت هذه الثقافة، وفي ظل أسرتها؟

س 5.ـ ما مدى قابلية المثقفين مع ما يطرحه المرصد المغربي للثقافة؟ وهل نمتلك رؤية موحدة للتحلحل ومواجهة المصاعب التي تمر منها الثقافة والفنون؟ ولماذا يتأخر المثقف فيالتعبير عن تواصله وامتداده المجتمعي؟
ج5. تقييمنا للوضع ينطلق من مؤشرات موضوعية ورد ذكر بعضها في الاجوبة السابقة، فمن اقتنع بها فإنه جزء من هذه الدينامية التي نسعى إلى تحقيقها، ومن لم يقتنع نتمنى، صادقين، أن تكون له جرأة التعبير عن موقفه، لأن القبح، كل القبح، لا يأتي الا من الانتظاريين، والساكتين عن حق مغبون، أو من الانتهازيين الذين ينتسبون إلى الثقافة.
وعموما فدعوتنا مؤطرة بالمقتضيات الدستورية، وبروح المواطنة، وبالغيرة على الثقافة والمثقفين؛ لأن جزءا كبيرا من مشاكلنا تحتاج إلى أجوبة ثقافية، ففي قضايا الهوية والاختيارات اللغوية والمجتمعية، وفي أمور الحكامة والعيش المشترك والافق الديمقراطي والتنمية والجهوية وغيرها، فإن الجواب الثقافي حاسم في تحديد التوجهات، وعقلنة الاختيارات…ونحن لانسعى إلى خلق مثقفين نمطيين ومتماثلين، بل إننا نؤمن بالتعددية البناءة التي تساعد على تجاوز المصاعب والعراقيل التي تواجه الثقافة والمثقفين، وكل ذلك لن يتحقق الا بالارادات الصادقة، والجرأة في إطار المسؤولية.

*د جمال بندحمان، أستاذ التعليم العالي في جامعة الحسن الثاني ــــ الدار البيضاء. خبير  في المجال المدني: عضو لجنة خبراء الحوار الوطني حول المجتمع المدني بالمغرب، وعضو لجنة الخبراء الأكاديميين التي أشرفت على صياغة الأرضية المواطنة) المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (.مسؤول الدراسات والأبحاث بمنتدى المواطنة، ومسؤول التكوين والتدريب بالمؤسسة الدولية للتدريب والتنمية. أشرف على العديد من الدورات التدريبية بالمغرب وخارجه  في مواضيع  مثل (الحقوق اللغوية والثقافية، آليات مناهضة التطرف، التنوع الهوياتي وأسس التعايش- التدبير التشاركي، قيم المواطنة، الحق في المعلومة…)، صدرت له عدة كتابات أكاديمية ومدنية من بينها  في المجال التدريبي : التربية على المواطنة. التربية على التسامح (دليل المفاهيم)، و (دليل المكون) ، المواطنة المسؤولة ، التدبير  التشاركي، الحكامة (الحوكمة) التربوية،  المدرسة والتعبئة المجتمعية؛ الإعلام والحق في المعلومة… وفي مجال الرصد صدر له :المشاركة المدنية في تدبير الازمات: دراسة وثائقية تفاعلية حول مشاركة جمعيات المجتمع المدني في تدبير جائحة كورونا ، ودراسات لرصد قضايا الانتقال الديمقراطي بالمغرب، التنمية والحقوق اللغوية والثقافية. وقضايا الهوية من منظور حقوقي…

‏مقالات ذات صلة

Back to top button