
ـ مذكرة ترافعية تطالب بتحرير المساطر الجمعوية من القيود الإدارية ورقمنة الإيداع وإقرار آليات للمساءلة ـ
كش بريس/التحرير ـ
وضعت فعاليات جمعوية وشبكات وائتلافات مدنية ملف حرية تأسيس الجمعيات على طاولة الأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، مطالبة بتحويل هذا الموضوع من شعار عام حول دعم المجتمع المدني إلى التزام سياسي وتشريعي قابل للقياس والتتبع.
وجاءت هذه المطالبة ضمن مذكرة ترافعية موجهة إلى الأحزاب المشاركة في الاستحقاق الانتخابي، اعتبرت أن سلامة الحياة الديمقراطية لا ترتبط فقط بفعالية المؤسسات المنتخبة، وإنما كذلك بوجود مجتمع مدني مستقل وتعددي قادر على تنظيم المبادرات والمشاركة في النقاش العمومي ومراقبة السياسات العمومية والمساهمة في اقتراحها وتقييمها.
من نظام التصريح إلى «ترخيص مقنع»
وتضع المذكرة إشكالية الممارسة الإدارية في صلب انتقاداتها، مشيرة إلى استمرار حالات رفض تسلم ملفات تأسيس الجمعيات أو تجديد مكاتبها أو تعديل أنظمتها، إلى جانب عدم تسليم الوصل المؤقت فوراً، والتأخر في منح الوصل النهائي، وطلب وثائق أو إجراءات إضافية، فضلاً عن ربط بعض الملفات بأبحاث أو موافقات مسبقة لا تنص عليها المسطرة القانونية.
وترى الجمعيات الموقعة أن هذه الممارسات تخلق فجوة بين المقتضيات القانونية وبين التطبيق الإداري على المستوى الترابي، وقد تجعل نظام التصريح، الذي يقوم عليه تأسيس الجمعيات، يتحول عملياً إلى آلية تشبه الترخيص الإداري المسبق.
وتستند المذكرة في هذا السياق إلى المادة الخامسة من الظهير المنظم لحق تأسيس الجمعيات، التي تنص، بحسب الوثيقة، على إيداع التصريح لدى السلطة الإدارية المحلية أو بواسطة عون قضائي، وتسليم وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال، على أن يتم تسليم الوصل النهائي داخل أجل أقصاه 60 يوماً عند استيفاء الإجراءات المطلوبة.

الجمعيات ترفض «الرقابة القبلية»
وتجادل الهيئات الموقعة بأن امتناع الإدارة عن تسلم الملف أو تسليم الوصل المؤقت يجعل ممارسة الحق رهينة بموقف إداري، في حين أن القانون أتاح، في الحالات التي ترى فيها الإدارة أن الجمعية توجد في وضعية مخالفة، اللجوء إلى القضاء وفق المساطر المحددة قانوناً.
وتشير المذكرة إلى أن الفصول 3 و5 و7 من الظهير المنظم للجمعيات تحدد آليات التعامل مع حالات البطلان أو المخالفة، بما في ذلك إحالة نسخة من التصريح إلى النيابة العامة عند الاقتضاء، وإمكانية لجوء الإدارة إلى المحكمة الابتدائية لطلب البطلان أو الحل في الحالات التي يحددها القانون.
ومن هذا المنظور، تعتبر الجمعيات أن تعليق تسليم الوصل على بحث أو موافقة مسبقة يؤدي عملياً إلى استبدال المسار القضائي برقابة إدارية قبلية، وهو ما تصفه المذكرة بتحويل نظام التصريح إلى «ترخيص مقنع».
أزمة الوصل تمتد إلى الحياة اليومية للجمعيات
ولا تحصر المذكرة آثار هذه الإشكالية في العلاقة المباشرة بين الجمعيات والإدارة، إذ تشير إلى أن غياب الوصل أو عدم تحيينه يمكن أن يعرقل مجموعة من المعاملات الأساسية، من بينها فتح أو تحيين الحسابات البنكية، وإبرام اتفاقيات الشراكة، والحصول على التمويل، وإثبات الصفة القانونية للممثلين، فضلاً عن الولوج إلى بعض الفضاءات والخدمات.
وتعتبر الهيئات الموقعة أن الأمر يتجاوز بذلك مجرد خلاف حول وثيقة إدارية، ليصبح مرتبطاً بجودة الإدارة وبمدى احترامها للقانون وبقدرة الفاعلين المدنيين على ممارسة أدوارهم الدستورية والمؤسساتية.
وفي المقابل، تؤكد الجمعيات أنها لا تعتبر الحرية الجمعوية إعفاءً من المسؤولية القانونية، وتقر بضرورة التزامها بالشفافية والحكامة والمساءلة واحترام النصوص، لكنها تشدد على أن هذا الالتزام ينبغي أن يقابله التزام مماثل من الإدارة باحترام المساطر والآجال والضمانات القانونية.
سبعة مطالب أمام الأحزاب
وطالبت المذكرة الأحزاب السياسية بإدراج حزمة من الإجراءات ضمن برامجها الانتخابية والعمل على تنفيذها خلال الولاية التشريعية المقبلة.
وفي مقدمة هذه المطالب، ضمان التسليم الفوري لوصل الإيداع المؤقت بمجرد تقديم ملف مستوفٍ للوثائق القانونية، وإنهاء أي ممارسة تربط الحصول عليه بانتظار بحث أو موافقة مسبقة غير منصوص عليها قانوناً.
كما تدعو إلى حماية الجمعيات من آثار الامتناع الإداري عن تسليم الوصل، عبر إقرار وسائل قانونية تجعل إثبات الإيداع، بما في ذلك محضر العون القضائي أو الإشعار الإلكتروني، منتجاً لآثاره القانونية عند ثبوت الامتناع الإداري.
وتقترح الهيئات الموقعة رقمنة مسطرة تأسيس الجمعيات وتجديد هياكلها من خلال منصة وطنية موحدة تتيح إصدار وصل إلكتروني فوري يتضمن التاريخ والساعة والرقم المرجعي، وتمكن الجمعية من تتبع مسار ملفها.
كما تطالب بمنع المطالبة بوثائق أو شروط غير واردة في النصوص القانونية، وإلزام الإدارة، عند وجود نقص في الملف، بتوجيه إشعار واحد مكتوب ومعلل يحدد الوثائق الناقصة والأساس القانوني للمطالبة بها.
وتدعو المذكرة أيضاً إلى الاستفادة من الضمانات التي يتيحها القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، بما يحول دون تعطيل الحق، إلى جانب إحداث آلية استعجالية ومستقلة لتلقي شكايات الجمعيات والبت فيها داخل آجال قصيرة.

توحيد الإدارة ومراقبة أدائها
ومن بين المقترحات كذلك إصدار دليل وطني موحد وملزم يحدد بدقة إجراءات تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها والوثائق المطلوبة والآجال القانونية، مع تكوين الموظفين والأعوان المكلفين باستقبال الملفات ونشر المساطر بشكل واضح داخل الإدارات وعلى البوابات الإلكترونية.
وتطالب المذكرة، في جانبها المتعلق بالشفافية، بنشر معطيات دورية حول ملفات تأسيس الجمعيات وتجديدها، وعدد الوصولات المسلمة، وحالات التأخير والشكايات المسجلة ومآلاتها، مع تقديم حصيلة دورية أمام البرلمان لتقييم مدى احترام القانون على المستوى الترابي.
اختبار انتخابي للأحزاب
وتريد الجمعيات الموقعة أن تتحول هذه المطالب إلى التزامات انتخابية معلنة، داعية الأحزاب إلى تحديد مواقفها بوضوح من القضية وإدراج الإجراءات التي تتبناها ضمن برامجها، مع الالتزام، في حال المشاركة في الحكومة أو التمثيل داخل البرلمان، بتحويلها إلى مبادرات تشريعية أو تنظيمية أو رقابية وفق أجندة زمنية محددة.
كما تحث الأحزاب على إدراج حرية تأسيس الجمعيات ضمن أجندتها الرقابية البرلمانية، من خلال الأسئلة واللجان والمهام الاستطلاعية وتقييم السياسات العمومية، والحفاظ بعد الانتخابات على قنوات حوار منتظمة مع الجمعيات المعنية بإصلاح المنظومة القانونية للعمل الجمعوي.
وتختتم المذكرة بدعوة الأحزاب، دون تمييز، إلى التفاعل مع مطالبها والتوقيع على بطاقة الالتزام المرفقة بها، معتبرة أن الانتخابات التشريعية المقبلة تمثل فرصة لاختبار المكانة التي تمنحها البرامج السياسية فعلياً للحريات العامة ولدولة القانون والديمقراطية التشاركية.





