
يبدو أننا نجر خطى الخيبة نحو نكوص سياسي غير مسبوق، نكوصٍ يرتدي لبوس العبث ويُعلن، بمرارة، موت الثقة في جدوى العملية السياسية برمتها، ممهدًا الطريق لعزوفٍ شعبيٍّ جارف عن صناديق الاقتراع وغدٍ ديمقراطيٍّ مؤجل.
إن هندسة إضعاف الفاعل الحزبي قد آتت أُكلها المريرة؛ إذ تحولت التنظيمات السياسية إلى “دكاكين موسمية” مهجورة، لا تفتح أبوابها إلا مع قرع طبول الانتخابات، في ظل تجريفٍ ممنهج للوعي الجماعي. وبدل أن تشهد الساحة صراعًا فكريًا برامجيًا، غرق المشهد في تهافتٍ مستفزٍّ خلف المغانم والمواقع، مع إعدامٍ كليٍّ لأي أمل في صناعة نخبٍ جديدة تتسلح بأدوات العصر لتفكيك تحولات العالم وقراءة شيفراته.
في تاريخ الأمم محطاتٌ فارقة تختزل زمن التحول؛ وقد كانت لنا مع حكومة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي فرصة تاريخية ووثبة شجاعة لعناق المستقبل. غير أن “جيوب المقاومة” المتربصة بالتغيير راهنت على الانكسار، وزجّت بالبلاد في لجة هذا العبث القائم، الذي اختلطت فيه الأوراق على المواطن الـمُنهك؛ فلم يعد يميّز بين قوى وطنية قدمت قوافل من الشهداء مهرًا للحظة ديمقراطية عسيرة، وبين كياناتٍ هجينة وُلدت من رحم الإدارة لتكبح عجلات التاريخ وتقدم طوق النجاة للجمود.
لقد عشنا ربيع شبابنا نقتفي أثر الحلم، حلم مغرب العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وها نحن اليوم نتجرع كابوس الانكسار، ونقف على أطلال تجربة “التناوب الديمقراطي” لنعلن، بملء الصوت المبحوح، الاعتراف بفشلها الفاجع. إن انكسار تجربة “التناوب الديمقراطي” ليس موتًا للفكرة، بل هو درس قاسٍ يمهد الطريق لتناوب حقيقي تقوده نخب نزيهة، تؤمن بأن التغيير لا يُمنح كجرعات مسكنة، بل يُنتزع بالإرادة والوعي والصمود. فمن عتمة هذا الليل السياسي، سيبزغ حتمًا فجر بديل يليق بتضحيات الماضي وتطلعات المستقبل.




