
كش بريس/التحرير ـ تتسع دائرة الجدل داخل عدد من الأحزاب المغربية التاريخية، على خلفية تدبير مساطر التزكية للانتخابات التشريعية المرتقبة سنة 2026، بعدما أقدمت قيادات ووجوه نسائية بارزة على تقديم استقالاتها، احتجاجاً على ما اعتبرنه اختلالات تنظيمية ومعايير غير واضحة في اختيار المرشحين والمرشحات، وسط أسئلة متصاعدة حول حضور المال والنفوذ في صناعة الترشيحات.
وفي أحدث هذه التطورات، قدمت المحامية مريم جمال الإدريسي، عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكتابة الوطنية لمنظمة النساء الاتحاديات، استقالتها النهائية من الحزب يوم الأحد 23 غشت، بعد أيام قليلة من توجيهها مراسلة إلى الكاتب الأول إدريس لشكر، أثارت فيها تساؤلات صريحة حول موقع المساهمات المالية للمرشحات في تحديد التزكيات الخاصة باللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات.
وجاء قرار الاستقالة في خضم خلاف داخلي بشأن مسطرة اختيار مرشحات اللائحة الجهوية، بعدما تحدثت الإدريسي في مراسلتها عن مبالغ مالية متداولة في سياق التنافس على التزكيات، تراوحت، وفق المعطيات التي أوردتها، بين 140 و160 مليون سنتيم، بينما تحدثت روايات أخرى عن مبالغ بلغت نحو 1.6 مليون درهم.
وتكتسب هذه المعطيات حساسية خاصة في ظل القواعد القانونية المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية، والتي تحدد سقف نفقات الحملة التشريعية في 600 ألف درهم لكل مترشح، وفق المقتضيات الجاري بها العمل.
المساهمات المالية في صلب الخلاف
وكانت الإدريسي، التي كانت بدورها مرشحة للتزكية على اللائحة الجهوية للنساء، قد شاركت في اجتماع لجنة البت في الترشيحات المنعقد يوم 20 غشت الجاري.
وبحسب ما أوردته في مراسلتها، فقد فوجئت بإفادات من مرشحات سبقنها إلى المقابلة تفيد بأن اللجنة طلبت من كل مرشحة تدوين المبلغ المالي الذي تلتزم بالمساهمة به في الحملة الانتخابية على ورقة مستقلة.
وأوضحت أنها، أثناء عرض مشروعها السياسي والتنظيمي، أبدت استعدادها للمساهمة في حدود إمكاناتها، باعتبار ذلك مساهمة نضالية طوعية مرتبطة بالالتزام الحزبي، غير أنها رفضت تدوين مبلغ مالي في ورقة مستقلة بعدما طلب منها رئيس لجنة البت، مصطفى عجاب، ذلك.
واعتبرت الإدريسي أن ربط تدوين المبلغ المالي بمسطرة التزكية قد يفتح الباب أمام تأويل مفاده أن فرص المرشحة في الحصول على التزكية يمكن أن تتأثر بحجم المساهمة المالية التي تعرضها.
وبحسب مصادر اتحادية، فإن المرشحة التي انتهى إليها قرار التزكية التزمت بمساهمة مالية تفوق تلك التي اقترحتها باقي المتنافسات، فيما تحدثت المصادر ذاتها عن ممارسات مشابهة في مدن أخرى، وهي معطيات تظل، في غياب توضيحات ووثائق رسمية، محل ادعاءات تحتاج إلى التحقق.

أسئلة قانونية ومحاسبية
وفتحت القضية نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين المساهمة الحزبية وتمويل الحملات الانتخابية، خصوصاً في ظل تداول مبالغ مالية تفوق، بحسب الروايات المطروحة، سقف الإنفاق الانتخابي المحدد قانوناً.
وأثارت الإدريسي تساؤلات بشأن الأساس القانوني الذي يمكن أن يستند إليه الحزب، في حال ثبوت طلب مبالغ محددة، للمطالبة بإيداع أموال في حسابه قبل حسم قرار التزكية، كما تساءلت عن الطبيعة القانونية لهذه المبالغ: هل يتعلق الأمر بتبرعات للحزب، أم بمساهمات في تمويل الحملة الجهوية، أم بتمويل حملات مرشحي الدوائر المحلية؟
كما طرحت أسئلة حول الجهة التي تحدد أوجه صرف تلك الأموال، وكيفية توزيعها، والمسؤولية عن تبرير استخدامها أمام المجلس الأعلى للحسابات، فضلاً عن طبيعة الوثائق المحاسبية التي يفترض أن يحصل عليها أصحاب المساهمات.
استقالات وطعون تتوالى
ولم تتوقف الاعتراضات عند استقالة مريم جمال الإدريسي، إذ قدمت رجاء البقالي، وفق مصادر اتحادية، استقالتها من الحزب احتجاجاً على معايير اختيار وتزكية مرشحات اللائحة الجهوية بإقليم شفشاون، وسط انتقادات لما اعتبرته المصادر تغليباً للحسابات الانتخابية على معايير الاستحقاق والكفاءة.
كما تقدمت ليلى بوهو، عضو اللجنة الإدارية والمجلس الوطني والكتابة الجهوية للحزب بجهة الدار البيضاء-سطات والكاتبة الإقليمية للحزب بعين الشق، بطعن في نتائج اللجنة المكلفة بالاستماع إلى طلبات الترشيح لوكالة اللائحة الجهوية.
وأثارت بوهو بدورها علامات استفهام حول ترتيب متداول لنتائج التصويت، تحدث عن حصول مرشحات على 10 و7 و3 أصوات، رغم أن اللجنة تضم 12 عضواً، متسائلة عما إذا كان التصويت نهائياً أم مجرد اقتراح مرفوع إلى المكتب السياسي، وعن أسباب تداول النتائج قبل عرضها على هذه الهيئة.
كما أثارت ما وصفته بتسريب القيم المالية المقترحة من بعض المرشحات، معتبرة أن ثبوت ذلك قد يفتح الباب أمام تعديل المساهمات المالية لاحقاً، بما يحول مسطرة التنافس على التزكية إلى ما يشبه المزايدة المالية.
ومن جهتها، وجهت منال التقال، عضو المكتب السياسي، رسالة إلى إدريس لشكر تستفسر فيها عن المعايير المعتمدة في اختيار المرشحات، وعن موقع المساهمات المالية في عملية اتخاذ القرار.
الاستقلال بدوره أمام استقالة قيادية
ولا يقتصر هذا النوع من الاحتجاجات على الاتحاد الاشتراكي، إذ سبق أن شهد حزب الاستقلال بدوره استقالة قيادية نسائية بارزة، بعدما أعلنت خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي، خلال يوليوز 2026، استقالتها النهائية من الحزب ومن مختلف مهامها التنظيمية بأكادير.
وأرجعت الفلاكي السباعي قرارها إلى تراكمات تنظيمية، من بينها منعها من تقديم حصيلة عملها وتقريرها الأدبي والمالي بصفتها كاتبة لفرع أكادير المحيط، معتبرة أن ذلك حال دون ممارسة حقها في عرض حصيلة التدبير أمام الهياكل الحزبية.
وشملت استقالتها عضوية اللجنة المركزية للحزب، وعضوية المكتب التنفيذي لمنظمة المرأة الاستقلالية، إلى جانب مختلف المسؤوليات التنظيمية التي كانت تضطلع بها.
وتكشف هذه الاستقالات والطعون المتتالية عن أزمة أعمق تتجاوز أسماء المرشحين ومواقعهم الانتخابية، لتلامس سؤالاً جوهرياً يتعلق بالديمقراطية الداخلية للأحزاب، وشفافية التزكية، وحدود تدخل الاعتبارات المالية والتنظيمية في صناعة النخب الانتخابية.
صمت حزبي وأسئلة مفتوحة
وفي ظل هذا التصعيد، لم يصدر، إلى حدود إعداد هذا التقرير، موقف رسمي واضح من قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يجيب عن الأسئلة المثارة بشأن المساهمات المالية أو يشرح المعايير المعتمدة في اختيار مرشحات اللائحة الجهوية للنساء.
كما أن الأرقام المتداولة بشأن مبالغ مالية كبيرة مرتبطة بالتزكيات، سواء داخل الاتحاد الاشتراكي أو في أقاليم أخرى، تظل مجرد معطيات وروايات متداولة ما لم تدعمها وثائق أو تصريحات رسمية يمكن التحقق منها.
غير أن توالي الاستقالات والطعون والرسائل الاحتجاجية يضع الأحزاب التاريخية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ضمان الشفافية في اختيار مرشحيها، وترسيخ قواعد المنافسة الداخلية، وفصل التزكية السياسية عن منطق المال والنفوذ، قبل أن تدخل البلاد رسمياً غمار الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.





