
كش بريس/محسن منير ـ
في زمن تتعاظم فيه التحديات الصحية والسلوكية التي تستهدف الأجيال الصاعدة، تبرز المبادرات التربوية المبتكرة كآليات فعالة لغرس قيم الوقاية وبناء الوعي الجماعي. وفي هذا السياق، احتضنت مدينة مراكش فعاليات تتويج الفائزين في الدورة الثالثة عشرة لمسابقة “أحسن مجسم لمحاربة التدخين”، وهي مبادرة تربوية وصحية رائدة جعلت من الإبداع الفني لغة للتوعية ومن المدرسة فضاءً لتكوين مواطن واعٍ بمخاطر التدخين وأبعاده الصحية والبيئية.
وجرى تنظيم هذه التظاهرة من طرف جمعية أطباء القطاع الخاص لأمراض الجهاز التنفسي بمراكش، بشراكة وتنسيق مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي، وذلك احتفاءً باليوم العالمي للامتناع عن التدخين، وترجمةً لجهود متواصلة تروم ترسيخ ثقافة الوقاية داخل المؤسسات التعليمية.

ولم تكن المسابقة مجرد منافسة فنية عابرة، بل شكلت ورشاً تربوياً مفتوحاً أتاح للتلميذات والتلاميذ التعبير عن تصوراتهم لمخاطر التدخين من خلال مجسمات وأعمال تشكيلية حملت رسائل قوية حول انعكاسات هذه الظاهرة على صحة الإنسان وتوازن البيئة وجودة الحياة. وقد جاء ذلك في انسجام مع شعار الدورة: “مؤسسات بدون تدخين”، الذي يعكس الرهان على جعل الفضاء المدرسي بيئة آمنة ومحصنة من مختلف السلوكيات الضارة.
وعرفت الدورة مشاركة وازنة لمؤسسات تعليمية تمثل مختلف المديريات الإقليمية التابعة لجهة مراكش آسفي، حيث كشفت الأعمال المقدمة عن مستوى متقدم من الحس الإبداعي والوعي الصحي لدى المشاركين. وتمكنت المجسمات المعروضة من تحويل مفاهيم الوقاية إلى صور بصرية مؤثرة، عكست إدراكاً عميقاً للمخاطر التي يسببها التدخين على الفرد والمجتمع.
وأسفرت مداولات لجنة التحكيم عن تتويج مجموعة من التلاميذ الذين تميزوا بأعمالهم الفنية ورسائلهم التوعوية، ويتعلق الأمر بالتلميذة ياسمين كوبا عن الثانوية الإعدادية أفواج بمراكش، والتلميذ محمد نيولون عن الثانوية الإعدادية بوغافر بآسفي، والتلميذة ابتسام بلا عن الثانوية الإعدادية أنس بن مالك بشيشاوة، إلى جانب تلاميذ مركز الفرصة الثانية الجيل الجديد “بن أبي صفرة” بمراكش، الذين بصموا على مشاركة نوعية استحقت تنويه الحاضرين وإشادة لجنة التحكيم.
كما شكلت مشاركة مراكز الفرصة الثانية إحدى أبرز محطات هذه الدورة، حيث برهن المستفيدون من هذه المراكز على قدرتهم على الاندماج والإبداع وتحويل تجاربهم الشخصية إلى رسائل إيجابية موجهة إلى أقرانهم. وقد جسدت أعمالهم الفنية نموذجاً معبراً عن دور التربية في إعادة بناء الثقة وصناعة مسارات جديدة قائمة على الوعي والمسؤولية.

وشهد حفل التتويج حضور شخصيات تربوية وصحية وفاعلين مؤسساتيين، أكدوا جميعاً أهمية الاستثمار في التربية الصحية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع سليم. كما نوه المتدخلون بالمجهودات التي تبذلها مختلف الأطراف الشريكة من أجل ترسيخ ثقافة الوقاية داخل المؤسسات التعليمية، معتبرين أن محاربة التدخين مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والمجتمع المدني.
وفي خطوة تروم تشجيع التميز وتحفيز روح المبادرة لدى الناشئة، استفاد الفائزون من جوائز مالية تراوحت قيمتها بين ألف وألفي درهم، فضلاً عن شواهد تقديرية اعترافاً بما قدموه من أعمال إبداعية تحمل مضامين توعوية نبيلة. كما تم تكريم عدد من الأطر التربوية والإدارية والشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة السنوية.
واختتمت فعاليات الدورة في أجواء احتفالية امتزج فيها الاعتراف بالمجهودات المبذولة بالاحتفاء بالمواهب الشابة، لتؤكد هذه المبادرة، مرة أخرى، أن التربية الصحية لا تُبنى بالمحاضرات والخطابات وحدها، بل عبر إشراك المتعلمين في إنتاج المعرفة وصياغة رسائل التغيير بأنفسهم.

وتواصل مسابقة “أحسن مجسم لمحاربة التدخين” ترسيخ مكانتها كواحدة من أنجح المبادرات التربوية بالجهة، بعدما نجحت على مدى سنوات في الجمع بين الفن والتوعية، وبين الإبداع والمواطنة، لتسهم في بناء جيل أكثر وعياً بمخاطر التدخين وأكثر قدرة على الدفاع عن حقه في الصحة والحياة السليمة والبيئة النظيفة.





