‏آخر المستجداتبقية العالم

دراسة بالأقمار الاصطناعية تكشف تفاوتا صادما في ارتفاع المد والجزر..

ـ مخاطر الفيضانات الساحلية قد تكون أكبر مما كان متوقعا ـ

كش بريس/التحرير ـ

كشفت دراسة علمية جديدة أن المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة مما تشير إليه التقديرات العالمية، بعدما أظهرت تحليلات حديثة لصور الأقمار الاصطناعية وجود فروق محلية كبيرة في مستويات المد والجزر، حتى بين مناطق ساحلية متجاورة.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن مستوى المد والجزر قد يختلف بما يقارب متراً واحداً داخل الخليج الساحلي نفسه، وهو تفاوت يمكن أن يجعل بعض المجتمعات الساحلية أكثر تعرضاً للفيضانات، وتوغل المياه المالحة، وتسرب الملوثات، مقارنة بمناطق لا تبعد عنها سوى مسافات محدودة.

ونقلت تقارير صحافية غربية اطلعت عليها «القدس العربي» عن الدكتور توماس موناهان، الباحث المشارك في الدراسة من جامعة أكسفورد، قوله إن الفيضانات تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المناطق الساحلية، مشيراً إلى أن حركة المد والجزر يمكن أن تزيد من حدة هذه المخاطر.

وأوضح موناهان أن العاصفة ذاتها قد تنتج مستويات مختلفة تماماً من الفيضانات في منطقتين متجاورتين، بسبب التباين المحلي الكبير في حركة المد والجزر، مؤكداً أن هذه الفروق الدقيقة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند التخطيط للبنية التحتية الساحلية مستقبلاً، حفاظاً على سلامة السكان والمنشآت.

وتكتسب هذه النتائج أهمية أكبر في ظل استمرار الارتفاع العالمي لمستوى سطح البحر. فقد حذرت الجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية (AMS) من بلوغ مستويات سطح البحر معدلات قياسية نتيجة تداعيات التغير المناخي، فيما سجل المتوسط العالمي ارتفاعاً للعام الرابع عشر على التوالي، ليصبح أعلى بنحو 111 مليمتراً من المستوى المرجعي المسجل سنة 1993، مع بداية عصر القياسات الفضائية المنتظمة.

ويُعد تحديد حركة المد والجزر بدقة عاملاً أساسياً في تقييم احتمالات الفيضانات الساحلية، خصوصاً أن المد المرتفع قد يتزامن مع العواصف والأمواج العاتية، منتجاً ما يعرف بـ«الفيضانات المركبة»، حيث تتفاعل عدة عوامل مائية ومناخية في الوقت نفسه لتضخيم الأضرار.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور مايكل هارت-ديفيس، الباحث المشارك في الدراسة من المعهد الألماني لأبحاث الجيوديسيا، أن تزامن المد العالي مع عاصفة يرفع احتمال وقوع الفيضانات، بينما يمكن لانخفاض المد أثناء العاصفة أن يحد من تأثيراتها.

غير أن المشكلة العلمية تكمن في أن معرفة العلماء بالتوزيع المكاني الدقيق للمد والجزر لا تزال محدودة. فأجهزة قياس المد توفر بيانات عالية الدقة، لكنها لا تغطي سوى مواقع محددة، في حين تواجه تقنيات الرصد التقليدية بواسطة الأقمار الاصطناعية قيوداً مرتبطة بنطاق الرؤية ودقة القياس، التي غالباً ما تمتد إلى عشرات الكيلومترات.

ولمعالجة هذه الفجوة، طوّر فريق البحث تقنية جديدة تستفيد من صور الأقمار الاصطناعية لرسم خريطة أكثر دقة للتغيرات في مستويات المد والجزر. وتقوم الفكرة على استخدام الشاطئ ذاته باعتباره «مقياساً طبيعياً» لمستوى المياه.

فعندما يرتفع المد أو ينحسر، يتحرك خط التقاء الماء باليابسة صعوداً وهبوطاً على الشاطئ المائل. ومن خلال تحديد موقع هذا الخط في صور الأقمار الاصطناعية، وربط حركته بدرجة انحدار الشاطئ، يستطيع الباحثون تحويل التغيرات المكانية إلى قياسات دقيقة لمستوى سطح البحر.

وبالاعتماد على مئات عمليات الرصد التي تغطي سجلات فضائية تمتد لنحو أربعة عقود، تمكن الباحثون من بناء خرائط محلية لمستويات المد والجزر بدقة تصل إلى نحو 100 متر، وهي دقة تتيح رؤية فروق لم تكن تظهر بوضوح في القياسات التقليدية.

وأظهرت الاختبارات التي أجريت على السواحل المطلة على المحيط الهادئ تفاوتات لافتة في مستويات المد والجزر داخل الخلجان والشواطئ نفسها.

ففي منطقة ساوث تاراناكي بايت في نيوزيلندا، التي تمتد على نحو 90 كيلومتراً، رصد الباحثون فرقاً في مستويات المد والجزر يقترب من متر واحد بين أجزاء مختلفة من الخليج.

وفي محيط مدينة كرايستشيرش، أظهرت القياسات أن مستوى المد والجزر في شرق المدينة كان أعلى بنحو 40 سنتيمتراً مقارنة بالجزء الجنوبي منها.

ويرتبط هذا التفاوت، وفق الباحثين، بالخصائص الجغرافية لكل منطقة، ولا سيما اختلاف أعماق المحيط وشكل السواحل وطبيعة قاع البحر، وهي عوامل قادرة على تغيير طريقة انتقال الموجات المدية وتضخيمها أو تخفيفها محلياً.

وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة في ظل التوقعات باستمرار ارتفاع مستوى سطح البحر نتيجة الاحترار العالمي. فارتفاع حرارة المحيطات يؤدي إلى تمدد المياه، بينما يضيف ذوبان الأنهار والصفائح الجليدية كميات جديدة من المياه إلى المحيطات، ما يدفع خط الساحل تدريجياً إلى الداخل ويزيد من هشاشة المناطق المنخفضة.

وتشير تقديرات الجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية إلى أن تمدد مياه المحيطات بفعل ارتفاع حرارتها أسهم منذ عام 2005 بنحو 1.6 مليمتر سنوياً في ارتفاع مستوى سطح البحر، في حين أضاف ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية نحو مليمترين سنوياً في المتوسط.

وتكشف تقديرات أخرى أن الأنهار الجليدية، باستثناء الكتل الجليدية العملاقة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، تختزن ما يقارب 150 ألف كيلومتر مكعب من الجليد. وفي حال ذوبانها بالكامل، يمكن أن يرتفع مستوى سطح البحر العالمي بأكثر من 32 سنتيمتراً.

لكن الخطر لا يكمن في الرقم العالمي وحده، وفق الباحثين، وإنما في الطريقة التي يتفاعل بها هذا الارتفاع مع التقلبات المحلية في مستوى المياه.

وقال هارت-ديفيس إن ارتفاع مستوى سطح البحر الثابت لا يؤدي في حد ذاته، في معظم الحالات، إلى حدوث فيضانات ساحلية مباشرة، وإنما تنشأ المخاطر عندما تضاف إليه التقلبات الناتجة عن المد والعواصف والأمواج.

وأضاف أن التباين في حركة المد والجزر يمكن أن يكون كبيراً حتى على مسافات قصيرة، وهو ما يعني أن تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر لن يكون متساوياً بين المناطق، سواء من حيث شدة الفيضانات أو مدتها.

وتفتح التقنية الجديدة، التي تستند إلى سجل فضائي يمتد لأربعين عاماً، مجالاً أمام الباحثين لدراسة العلاقة بين تغير أنماط المد والجزر والارتفاع المستمر في مستوى سطح البحر، ورصد الكيفية التي تتبدل بها المخاطر الساحلية مع مرور الوقت.

ويأمل العلماء أن يؤدي توسيع نطاق هذه التقنية لتشمل السواحل حول العالم إلى تحسين نماذج التنبؤ بالفيضانات، ليس فقط عبر تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، وإنما أيضاً عبر توقع توقيت حدوث الفيضانات وشدتها ومدتها بدرجة أكبر من الدقة.

وتشير الدراسة، في جوهرها، إلى أن الخطر المناخي لا يتحرك وفق مقياس عالمي واحد؛ فقد يكون الفارق بين منطقة ساحلية وأخرى عشرات السنتيمترات، رغم تقاربهما الجغرافي، وهو فارق قد يحسم في لحظة العاصفة حدود المنطقة التي تنجو من المياه وتلك التي تغمرها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button