دراسة لبنك المغرب تكشف: التضخم المغربي قصير النفس أمام الصدمات

ـ من 1990 إلى 2025.. قصة التضخم المغربي بين الاستقرار والصدمات ـ

كش بريس/التحرير ـ

تكشف دراسة حديثة لبنك المغرب، بالاستناد إلى سلسلة زمنية لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط تمتد من 1990 إلى 2025، عن سمة لافتة في مسار التضخم بالمغرب: الاقتصاد الوطني ظل، في مجمله، داخل نطاق تضخمي منخفض، فيما اتسمت دورات ارتفاع الأسعار بقصر نسبي في مدتها وبمحدودية في حدتها، مقارنة بما شهدته اقتصادات متقدمة وصاعدة عرفت موجات تضخمية أطول وأكثر اتساعاً.

وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها من كونها تقرأ تطور الأسعار على مدى 35 سنة، وهي فترة شهدت تحولات عميقة في بنية الاقتصاد المغربي وفي محيطه الدولي، من إصلاحات التسعينيات والتحولات المرتبطة بتحرير التجارة، إلى ارتفاع أسعار النفط والمواد الأولية، والأزمة المالية العالمية، ثم جائحة كوفيد-19، وأخيراً موجة التضخم العالمية التي اندلعت بعد الحرب في أوكرانيا واضطرابات سلاسل الإمداد. ومع ذلك، لم تتحول الصدمات العابرة إلى مسار تضخمي مزمن داخل الاقتصاد المغربي.

ويظهر المسار التاريخي أن مرحلة التسعينيات كانت أكثر تعرضاً للضغوط السعرية، قبل أن يدخل التضخم منذ نهاية العقد في مرحلة أكثر استقراراً. فقد عرفت بداية التسعينيات معدلات مرتفعة نسبياً، قبل أن تتراجع تدريجياً وتستقر خلال جزء كبير من سنوات الألفية الجديدة عند مستويات منخفضة. وتشير بيانات تاريخية منشورة إلى أن التضخم بلغ مستويات تفوق 5% خلال النصف الأول من التسعينيات، قبل أن يتراجع إلى مستويات أكثر اعتدالاً خلال الفترة اللاحقة.

هذه الدينامية لا تعني غياب الصدمات، وإنما تكشف، بالأحرى، عن قدرة الاقتصاد والسياسة الاقتصادية على امتصاص جزء معتبر من آثارها. فقد تعرض المغرب، مثل بقية الاقتصادات المستوردة للطاقة والمواد الغذائية، لارتفاعات حادة في أسعار السلع العالمية، غير أن انتقال تلك الارتفاعات إلى الأسعار الداخلية ظل، في العديد من الحالات، مؤقتاً ومحدوداً بفعل طبيعة الاقتصاد المغربي، وآليات الدعم والتعويض، والسياسة النقدية، فضلاً عن دور سعر الصرف في تخفيف بعض الضغوط الخارجية.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند وضع التجربة المغربية في سياق الموجة التضخمية الأخيرة. فقد بلغ التضخم العالمي 8.6% سنة 2022، مقابل 7.3% في الاقتصادات المتقدمة و9.5% في الاقتصادات الصاعدة والنامية، بينما وصل متوسط التضخم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 13.6% في السنة نفسها. وفي المغرب، ارتفع التضخم بقوة خلال 2022 و2023 متأثراً خصوصاً بالمواد الغذائية والطاقة، قبل أن ينحسر بشكل واضح إلى 0.9% في 2024.

وتبرز هنا إحدى أهم خصائص التجربة المغربية: الصدمات التضخمية كانت حادة في بعض اللحظات، لكنها لم تتحول إلى حالة تضخم ذاتي الاستدامة. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء في الأسواق العالمية لم ينتج عنه، وفق المسار العام للبيانات، انفلات متواصل في توقعات الأسعار أو دوامة مستمرة بين الأجور والأسعار. وهو عنصر بالغ الأهمية في تفسير قصر دورات التضخم وضعف قدرتها على ترسيخ نفسها داخل الاقتصاد.

وتؤكد التطورات الأخيرة هذه الخاصية. فبعد أن بلغ التضخم متوسط 0.9% خلال 2024، ارتفع إلى 2% في الربع الأول من 2025 قبل أن يتراجع إلى 0.6% في أبريل وماي من السنة نفسها. كما انخفض التضخم الأساسي من 1.9% في الربع الأول إلى نحو 1% خلال أبريل وماي، في وقت ساهم فيه تراجع أسعار بعض المواد الغذائية والوقود في كبح المستوى العام للأسعار.

ومن زاوية السياسة النقدية، تكشف هذه التحولات عن انتقال بنك المغرب من مواجهة الضغوط التضخمية إلى مواكبة مرحلة انحسارها. فبعد تشديد نقدي بدأ في سياق موجة التضخم العالمية، شرع البنك المركزي في تخفيف سياسته النقدية مع انحسار الضغوط، وخفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.50% خلال 2024. وفي ظل استمرار الاعتدال التضخمي، توقعت مؤسسات البنك أن يستقر التضخم عند نحو 1% في 2025 قبل أن يرتفع إلى 1.9% في 2026، مع عودة التضخم الأساسي تدريجياً نحو مستويات أكثر اتساقاً مع استقرار الأسعار.

غير أن القراءة النقدية لهذه النتائج تقتضي التمييز بين استقرار معدل التضخم واستقرار كلفة المعيشة. فتباطؤ التضخم يعني انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار، ولا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. وهذه نقطة شديدة الأهمية اجتماعياً، خصوصاً بعد موجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال 2022 و2023. ولذلك قد يشعر الأسر بضغط مستمر على قدرتها الشرائية رغم انتقال معدل التضخم إلى مستويات منخفضة، لأن المستوى السعري نفسه يكون قد انتقل إلى قاعدة أعلى.

وتكشف بيانات بنك المغرب كذلك عن اختلاف مهم بين التضخم العام والتضخم الذي يشعر به المستهلك. ففي إحدى دراسات البنك، أظهر مؤشر التضخم المحسوس، الذي يعتمد سلة ذات وزن مرتفع للمواد الغذائية، مستويات أعلى من التضخم الرسمي خلال فترات معينة، وبلغ الفارق ذروته عند 8.1 نقاط مئوية في فبراير 2023. كما سجل هذا المؤشر تقلباً أكبر من مؤشر أسعار الاستهلاك الرسمي.

وهنا تحديداً تكمن إحدى المفارقات الأساسية في التجربة المغربية: الاستقرار الماكرو-اقتصادي لا يتطابق بالضرورة مع الإحساس الاجتماعي بالاستقرار السعري. فالمؤشرات الكلية قد تعلن انحسار التضخم، بينما تظل الأسر تواجه آثاراً تراكمية لارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات. ومن ثم، فإن نجاح السياسة النقدية في السيطرة على معدل التضخم لا يلغي السؤال الاجتماعي المتعلق بتوزيع كلفة الصدمات التضخمية وبالقدرة الفعلية للأجور على استعادة قوتها الشرائية.

وعلى المستوى البنيوي، يمكن قراءة قصر دورات التضخم المغربي باعتباره نتيجة لتفاعل عدة عوامل: تحسن الإطار المؤسساتي للسياسة النقدية، تطور أدوات بنك المغرب في إدارة السيولة والأسعار، مرونة نسبية في سعر الصرف ضمن النظام المعتمد، إضافة إلى تدخلات الدولة في بعض الأسواق الاستراتيجية، ولا سيما الطاقة والمواد الأساسية. كما ساهمت طبيعة الاقتصاد المغربي، بما يتسم به من وزن مهم للقطاع الزراعي وتأثره بالمناخ والأسعار العالمية، في جعل جزء من تقلبات التضخم مرتبطاً بعوامل عرض مؤقتة أكثر من ارتباطه بضغط دائم من الطلب الداخلي.

لكن هذه الصورة الإيجابية لا ينبغي أن تتحول إلى قراءة احتفالية. فاعتماد الاقتصاد المغربي على الواردات الطاقية والغذائية يجعله معرضاً باستمرار لما يمكن تسميته التضخم المستورد، فيما تظل ندرة المياه والتقلبات المناخية قادرة على إنتاج صدمات متكررة في أسعار الغذاء. كما أن التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية قد تجعل صدمات العرض الخارجية أكثر تكراراً وأطول أثراً.

وعليه، فإن الدرس الأهم الذي تقدمه السلسلة الممتدة من 1990 إلى 2025 لا يتمثل فقط في أن المغرب استطاع الحفاظ على تضخم منخفض في الأجل الطويل، وإنما في أن الاقتصاد الوطني أظهر قدرة معتبرة على منع الصدمات المؤقتة من التحول إلى نظام تضخمي دائم. غير أن التحدي المقبل سيكون أكثر تعقيداً: الحفاظ على استقرار الأسعار في اقتصاد يتعرض في الوقت نفسه لضغوط المناخ، وتقلبات الطاقة والغذاء، والتحولات الجيوسياسية، وتغير بنية الطلب، مع ضمان ألا يتحول استقرار المؤشرات النقدية إلى انفصال عن واقع القدرة الشرائية للأسر.

وبذلك، تبدو تجربة التضخم المغربي منذ 1990 أقرب إلى مسار من الاستقرار المتقطع بالصدمات منها إلى مسار تضخمي متقلب؛ وهو استقرار يستمد قوته من تحسن إدارة الاقتصاد الكلي، لكنه يظل مشروطاً بقدرة المغرب على تقليص هشاشته أمام الصدمات الخارجية، وتعزيز الإنتاجية والعرض المحلي، وحماية القوة الشرائية دون خلق ضغوط سعرية جديدة.

Exit mobile version