
La géographie financière et fiscale et ses répercussions économiques et sociales au Maroc
أولا:مفهوم الجغرافيا المالية والضريبية
إن التقسيم الجماعي يرتكز على الجماعات كمعيار للتصنيف، والتقسيم الإداري يؤكد على الجانب الإداري كمرتكز للتمييز، والتنظيم الإداري أشمل من التقسيم الإداري، فهو يتضمن كذلك الوزارات والسلطات والأهداف والأنشطة والمسؤوليات· أما التقسيم الجغرافي فهو غير التقسيم الترابي· فإذا كان الأول يعتمد على المعطيات الطبيعية والبشرية ومنتجاتها مثل التضاريس والمناخ والثروات والتاريخ والثقافة لتحديد المجال، فإن الثاني تقطيع حكومي سياسي وقانوني لتنظيم المجال الإداري والسكني أو الديمغرافي بهدف، مبدئيا، تحقيق اللامركزية الحقيقية·
بالنسبة للجغرافيا المالية والضريبية فهي ترتكز على كيفية توزيع المجال الضريبي والمالي والأنشطة الاقتصادية وتحليل نوعية تأثير المعطيات الطبيعية والبشرية والقواعد الضريبية والتحفيزات الحكومية على حجم المالية والجباية وجلب رؤوس الأموال والشركات وتوزيعها على المجال·
ثانيا: تلازم الجغرافيا المالية والضريبية بمحددات اقتصادية واجتماعية
نلاحظ بداية أن هناك عدة نقط أساسية يجب معالجتها مثل السيادة والإقليمية والإقامة والعدالة والمنافسة، وتستوجب شمولا كل هذه العناصر الفهم والتدقيق والدراسة قبل أن نتطرق بالتفصيل إلى حجم الموارد المالية، الجبائية وغير الجبائية، وأهميتها التي تحدد طبيعة الجماعة وآثار الجغرافيا عليها·
السيادة المالية والضريبية هي حق الدولة الشرعي والمشروع في فرض الضريبة، أو تخفيضها أو الإعفاء منها، داخل حدودها الجغرافية وسيادتها الوطنية، وليس لهذه القوة العمومية المالية والجبائية من حد إلا ما يفرضه الواقع الوطني والدولي، أي احترام المقتضيات الدستورية والقانونية الداخلية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وواقع العولمة وقواعد الأسواق الدولية· وتعرف إقليمية الضريبة على أنها الإطار الترابي والجغرافي الذي تمارس داخله عمليات اقتطاع الضريبة وإنفاقها مادام الملزم بأداء الضريبة يزاول نشاطا اقتصاديا داخل هذه الحدود الإقليمية· أما الإقامة الضريبية أو المقر الضريبي أو إقامة الخاضع للضريبة أو مقره أو المكلف بدفعها أو المدين بأدائها، هي مسؤولية الأداء في موطن مصدر التضريب (دخلا أو ربحا، استهلاكا أو استيرادا···)، سواء كانت هذه الفريضة وطنية أو أجنبية، وسواء كان الملزم شخصا ذاتيا أو معنويا، وطنيا أو دوليا، عاما أو خاصا، مقيما ضريبيا، ومدة الإقامة السنوية، ابتداء من 183 يوما، أو خارج الوطن· ويراعى في العدالة الضريبية احترام كرامة الخاضع للضريبة من خلال تضريب منصف بين الشرائح الضريبية وشرائح الدخول والأرباح والاستهلاكات، وعبر تخصيص ضريبي مجالي-جغرافي، بشري ومؤسساتي للاستثمارات الأولوية، وبواسطة إعادة توزيع مقسط للموارد الضريبة والمالية وتنزيلها جغرافيا وبشريا في صفة مرافق عمومية جديرة بهذا الإسم، وعن طريق توزيع ضريبي ومالي عادل للثروة· يقول إبن خلدون (1332-1406) في المقدمة، إن الإنفاق المفرط من الدولة في غير منافع الرعايا وإثقالهم بمختلف الجبايات والمكوس هو سلوك منافي للعدالة وللمنفعة العامة، وأفضل ثقل ضريبي ممكن تطبيقه، يضيف إبن خلدون، هو الثقل الذي يقتصر على المغارم الشرعية وتراعى فيه مصلحة الطرفين: الدولة وأهل المغارم⸱ أما المنافسات الضريبية الدولية تكمن في عمليات واستراتيجيات المزاحمة والتنازع بين الدول لجلب رؤوس الأموال والشركات والمقاولات الكبرى للاستثمار داخل ترابها الوطني بواسطة تحفيزات جبائية جد مهمة، سواء على مستوى الصادرات و/أو الواردات الجمركية، أو على صعيد الإعفاء أو التخفيض من الضريبة على الدخول والأرباح والربائح واستثمارها داخل الدولة المعنية أو توظيفها في مؤسساتها الائتمانية: الأبناك التجارية وشركات التأمين والاستثمار والتمويل·
ثالثا: الشرائح الضريبية والفئات السوسيو-مهنية، دخولا وأرباحا
الشرائح الضريبية هي تصنيفات سوسيو-مهنية حسب دخول وأرباح الملزمين بالضريبة وكذا نوعية الأنشطة الممارسة ومواقع الإنتاج⸱ نلاحظ ارتفاع حجم الضريبة على القيمة المضافة بشكل واضح في المدن الاقتصادية الكبرى والمدن التي تحتضن موانئ ومطارات دولية هامة مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وأكادير، وذلك نتيجة تزايد الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والتنقل والسياحة الدولية والوطنية وتداول السلع ورؤوس الأموال⸱ وتمثل الضريبة المقتطعة من أرباح الشركات الكبرى المقيمة أو القائمة بأعمالها في المدن ذات الأنشطة الاقتصادية المكثفة مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة أكثر من 80 % من مجموع التحصيل الضريبي على الربح⸱ وتشكل حصيلة الضريبة على الدخل المحجوزة في المنبع من دخول الأجراء والموظفين ومستخدمي الإدارات العمومية أكبر نسبة من إجمالي التحصيل الجبائي على الدخل، بحيث يتم توزيع العبء الضريبي بطريقة غير متساوية إطلاقا على شكل منحنى عالم الرياضيات فريدريش غوس (1777-1855)⸱ يحتل وسط المنحنى الثقل الضريبي الأقوى، تتحمله الطبقة السوسيو-مهنية المتوسطة (موظفون وأجراء)، والجانب اليساري من المنحنى ثقله الضريبي خفيف لا يشعر به القطاع غير المهيكل (الفلاحي والصناعي والتجاري والخدماتي)، والجانب اليميني من المنحنى عبؤه الضريبي ثقيل نظريا لكنه خفيف واقعيا، لأن القوى السياسية والاقتصادية تتجنبه أو تتملص منه بكل سهولة⸱
تواصل الدولة سياسة التحفيزات الضريبية لفائدة الشركات الأجنبية أو الشركات المقيمة في مناطق صناعية مكثفة أو الشركات الناشئة على التموقع والقيام بأنشطتها الصناعية والتجارية والمالية في المدن والمناطق الجغرافية التي تقل فيها هذه الأنشطة أو تنعدم، مثل ما هو الشأن في الجهات الشرقية والجنوبية والشمالية⸱ كما تعمل الدولة على مراقبة ومحاربة التهرب الضريبي وتهريب رؤوس الأموال من أرض الوطن إلى أراضي أخرى في دول أجنبية والعمل على إدخال القطاع غير المهيكل إلى القطاع المنظم⸱
وتعتبر الضرائب والرسوم الترابية المدبرة من طرف مديرية الضرائب مثل الضريبة المهنية ورسم الخدمات الجماعية والضريبة على السكن وعلى الأراضي الحضرية غير المبنية من أهم الضرائب الجماعية من حيث المبالغ المالية وتشكل إلى جانب حصيلة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة مصادر التمويل الرئيسية لتغطية الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية للجماعات الترابية⸱ يرتفع حجم الضريبة المهنية في المدن الكبرى وفي الأحياء الصناعية، ويتزايد مقدار الضريبة السكنية في المدن وفي الأحياء الغنية والمناطق الراقية، وتتصاعد كمية الضرائب والرسوم في الأسواق الأسبوعية الكبرى التي تحتضنها الجماعات القروية الضخمة مثل سوق خميس تمسمان بمنطقة الريف إقليم الدرويش، وسوق الأربعاء الغرب، وسوق سيدي عبد الله غيات نواحي مراكش، وسوق ثلاث سيدي بنور، وسوق خميس الزمامرة بدكالة⸱⸱⸱
رابعا: تدبير الجماعات الترابية والطابع القروي أو الحضري لكل كيان اجتماعي وحجم الخدمات الجماعية
يشمل التقسيم الإداري 17 ولاية و12 جهة و13 عمالة و62 إقليم، وعمالات المقاطعات في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وفاس ومراكش وأكادير وطنجة ومكناس ووجدة، ويختلف عددها باختلاف الحجم الديمغرافي للمدينة (فالدار البيضاء مثلا تنقسم إلى 8 عمالات المقاطعات)، وجماعات حضرية وقروية وباشويات ودوائر وقيادات ومقاطعات ومشيخات (على رأسها شيخ) ودواوير (على رأسها مقدم)⸱
إذا أخذنا الجماعات الترابية لوحدها، أي الجهات والعمالات والأقاليم والمدن والقرى، يعني الوحدات اللامركزية، وهي ثلاث وحدات ليس إلا (الجهات والعمالات والبلديات)، أما التقسيمات الترابية الأخرى مثل الولايات والباشويات والدوائر والقيادات والمقاطعات والمشيخات والدواوير فهي كيانات إدارية لا تمركزية، أي تابعة مباشرة للمركز⸱ أما الشيوخ والمقدمين فيعدون وطنيا بعشرات الآلاف ولا يعتبرون موظفون لكن ينظر إليهم كأعوان السلطة، وقد يصبحون سلطة بمعنى الكلمة في حالات الأزمات مثل ما وقع في أزمة الكوفيد 19، كان المقدم هو الذي يؤشر أولا يؤشر على رخصة الخروج من المنزل⸱ تشكل الجماعات الترابية بدون الجهات (12) والعمالات والأقاليم (75) 1503 جماعة ترابية منها 1282 جماعة قروية أي بنسبة 3⸱85 % من المجموع و221 جماعة حضرية أي بنسبة 7⸱14 % من المجموع⸱ مما يؤكد لنا أن المغرب ما يزال يطبعه الجانب القروي بنسبة 3⸱85 %⸱ لنخلص في هذه الحالة إلى أن الجغرافيا المالية والضريبية جغرافيا قروية أساسا ومواردها جد ضعيفة بل تافهة في الكثير من الأحيان وبالتالي ضعف أو شح المرافق العمومية الضرورية، ناهيك عن التدبير المتعثر⸱
خامسا: الموارد المالية والجبائية للجماعات الترابية
تنقسم موارد الجماعات الترابية بالمغرب إلى موارد جبائية ذاتية وموارد ذاتية غير جبائية وموارد محولة لها من الدولة⸱ فالموارد الجبائية الذاتية تشمل الضريبة المهنية والضريبة السكنية المفروضة على العقارات المبنية والضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية والضريبة على الخدمات الجماعية والرسوم على عمليات البناء والتجزئة والضريبة على محلات بيع المشروبات والضريبة على الإقامة بالمؤسسات السياحية والضرائب المفروضة داخل الأسواق القروية وعلى الأنشطة التجارية والصناعية والفلاحية⸱ لكن عائق الثقل السلبي للباقي استخلاصه، الجاري أو المتقادم، يظل مطروحا بكل شدة حيث يبلغ حاليا 43 مليار درهم⸱ وتعتبر هذه المبالغ المالية التي تصنف وتسجل سنويا في الميزانيات الجماعية والمستحقة على هذا الأساس لفائدتهم والتي لم يتم تحصيلها من قبل قباضات الخزينة لسبب أو لآخر مؤشرا أساسيا ليس فقط لتقييم فعالية ونجاعة التدبير المالي الترابي ولكن كذلك لطرح معضلة المركز والمحيط واللامركزية واللاتمركزية⸱ والموارد الذاتية غير الجبائية تتكون خاصة من مداخيل الاقتراضات المنعقدة مع صندوق التجهيز الجماعي بموجب ترخيص مركزي ومداخيل ممتلكات الغابات والمقالع والشواطئ والخدمات وإيجار العقارات الجماعية واستغلال خيرات أخرى للجماعات الترابية حسب القطاعات: فلاحية، صناعية، خدماتية، تكنولوجية ومعلوماتية⸱ غير أن كل هذه المداخل رغم كثرة عددها تظل قليلة الحصيلة، ضعيفة الإنتاجية والمردودية⸱
أما الموارد المحولة من طرف الدولة المركزية إلى الجماعات الترابية فهي تتضمن أساسا حصيلة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 32 % منذ فاتح يناير 2026 بعدما كانت بمقدار 30 % وهي أكبر مورد تستفيد منه الجماعات الترابية، وتبلغ قيمة عائدات الضريبة على القيمة المضافة أكثر من 19 مليار درهم وتشكل حوالي 85 % من الموارد المحولة من الدولة المركزية إلى الجماعات الترابية وهي أكبر مورد على الإطلاق تستفيد منه هذه الجماعات⸱ وتخصص لفائدة الجهات 5 % من حصيلة الضريبة على الدخل و5 % من حصيلة الضريبة على الشركات ورسوم وموارد أخرى محولة لتمويل الاختصاصات المنقولة، وإذا أضفنا مساهمات الدولة في إطار البرامج التنموية يمكن أن نخلص إلى أن ما يعادل نسبة 80 % أو أكثر فهي موارد محولة من الدولة المركزية إلى الجماعات الترابية، وبالتالي فالاستقلال المالي لهذه الجماعات الترابية المتجسد في مواردها الذاتية وهو أهم ركائز اللامركزية لا يتعدى نسبة 20 % من مجموع مواردها⸱ إذن نسبة اللامركزية الترابية تقدر بدرجة الاستقلالية المالية للجماعات الترابية، وهذه الاستقلالية لا تتعدى 20 % من مجموع القدرة على المبادرة والتصرف في تدبير الشأن العام المحلي، ناهيك عن الرقابة والمراقبة المستمرة⸱
سادسا: الجماعات الترابية والمناطق الغابوية والموارد المالية
إن الجزء الأكبر من الرصيد الغابوي بالمغرب هو ملك للدولة تدبره إدارة المياه والغابات، وجزء أقل منه تملكه الجماعات الترابية وجزء آخر ثالث متنازع عليه بين الدولة والجماعات الترابية والخواص⸱ يمثل الغطاء الغابوي حوالي 19 مليون هكتار، وأغلبية الجماعات الترابية الغابوية توجد في مناطق مختلفة ومترامية في كل أنحاء المغرب⸱ تمتد غابة المعمورة بوحداتها الجغرافية الثلاث بين أقاليم سيدي سليمان وسيدي قاسم والقنيطرة والرباط وتبلغ مساحتها حوالي 130 ألف هكتار⸱ تعيش الساكنة المتواجدة في الجماعات الغابوية بالمعمورة (سيدي علال البحراوي، عين عتيق، عامر، سيدي تيار، المعازيز، سبت الجريدات⸱⸱⸱) في وسط طبيعي حيوي يتسع لآلاف السكان وتمارس داخله أنشطة غابوية متنوعة وغنية كاستغلال الحطب والفلين وثمار شجر البلوط ورعي الماشية، غير أن رغم الموارد الغابوية الهائلة لهذه الجهة تظل المرافق والخدمات الجماعية جد هزيلة⸱ نلاحظ عموما ضعفا داخل جهة مراكش وأقاليمها (الحوز، الرحامنة، شيشاوة، قلعة السراغنة، اليوسفية، أسفي، الصويرة)، وأغلبيتها جماعات قروية وخاصة جماعاتها الغابوية بأقاليم الحوز وشيشاوة والصويرة وأسفي (أسني، أوريكة، أوكايمدن، بوابوض امدلان، آيت عيسى، غابة سيدي مساهل ⸱⸱⸱)، وتعاني جماعات هذه المناطق من الإهمال والتهميش وصعوبة المناخ والزلازل خاصة في إقليم الحوز⸱
تتميز الجماعات القروية بجبال الأطلس الكبير (إمليل، أفورار، سخمان، أنزو، تفني، آيت أمحمد، ⸱⸱⸱) بتضاريسها الوعرة وبنيتها التحتية الهشة واعتمادها أساسا على الرعي والزراعة المعاشية والحرف اليدوية التقليدية، إلا أنها تنقصها الموارد الجبائية وغير الجبائية رغم الثروة الغابوية، كما تنقصها كذلك الخدمات الجماعية والمرافق العمومية الأساسية⸱ تضاف إلى هذه المناطق الجبلية ذات المرافق الهشة جماعات غابوية أخرى تقع في مناطق الريف وشمال المغرب مثل تاركيست وشفشاون، وإقليمي الناظور وتطوان، وفي المنطقة الشرقية مثل تاوريرت، والأطلس المتوسط بضواحي مدينة أزرو⸱
سابعا: الجماعات الترابية الغنية بمواردها الغابوية وضعف المرافق العمومية
من بين الجماعات الترابية الغنية بمصادرها الغابوية نسجل خاصة الجماعات المحلية الموجودة بمناطق الأطلس المتوسط مثل إقليم خنيفرة وإقليم إفران، وخاصة جماعة عين لوح الغنية بهذه الموارد الطبيعية والجماعة القروية تونفيت بإقليم ميدلت، جهة درعة تافيلالت الغنية بغابات الأرز بين الأطلسين المتوسط والكبير، ومناطق جهة سوس-ماسة والأطلس الصغير وخاصة الجماعات المستقرة بالمناطق الغابوية لأشجار الأركان من خلال منتجاتها واستغلالها من قبل الساكنة والجماعات والتعاونيات النسائية، وكذا جماعات غابات المعمورة الغنية بمواردها الطبيعية التي تستفيد من غلاتها منطقة الغرب بكاملها، ونفس الشيء بالنسبة لجماعات إقليم الخميسات وخاصة جماعة والماس الغنية هي الأخرى بهذه الموارد الطبيعية⸱ تساهم هذه الموارد الغابوية مثل الخشب والفحم والطاقة والتدفئة والفلين والسنديان وثمار البلوط والأعشاب الطبية والنباتات العطرية والفطريات والعسل في المعمورة والأطلس ومناطق الأركان وشجر الأرز في الأطلس المتوسط وعشب الرعي⸱⸱⸱ تساهم كل هذه المنتجات الطبيعية، الخشبية وغير الخشبية وما ينتج عنها من صناعة تقليدية عبر رسوم وجبايات استغلالها للملك الغابوي وبيع المنتجات الغابوية في الرفع من مداخيل هذه الجماعات الترابية الغابوية، غير أن الخدمات الجماعية والمرافق العمومية لهذه الوحدات السوسيو-اقتصادية تطبعها الهشاشة إلى أقصى حد⸱
ثامنا: الجماعات الترابية التي تستفيد من الإمدادات الضريبية وغير الضريبية المحولة من الدولة
إن الجماعات الترابية التي تستفيد من إعانات الدولة بنسبة قد تصل إلى 90 % أو أكثر هي أساسا الجماعات القروية الفقيرة وعددها كثير والجماعات التي تقع في المناطق الجبلية النائية حيث تفتقر هي الأخرى للموارد الذاتية الضرورية لتمويل مشاريعها الهزيلة، والتي تحتاج أو تتطلب استثمارات ضخمة لتأهيلها حتى تتمكن من توفير الخدمات الجماعية الضرورية للساكنة مثل الماء والكهرباء والطرق والمدارس والصحة والتنمية⸱ تضاف لهذه الكيانات الجغرافية جماعات قروية أخرى تشملها الأراضي السلالية، (أو أراضي الجموع)، وأراضي الكيش، وهو نظام قانوني عتيق أثقل كاهل هذه الوحدات الترابية وحال بينها وبين أدنى ما يمكن الاستفادة منه كمستوى للتنمية مما يجعلها ضحية الهشاشة والإعانات المالية المركزية⸱ تدخل كذلك في هذه الفئة الجغرافية الهشة الجماعات القروية أو الحضرية الموجودة في الأقاليم الجنوبية التي هي الأخرى تستفيد من إعانات الدولة وصندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات ومداخيل الضريبة على القيمة المضافة بنسبة تعادل أو تفوق 90 % من مجموع مداخلها، بسبب ضعف الموارد الذاتية والوعاء الجبائي⸱ تتميز هذه الوحدات أساسا بمساحتها الترابية الشاسعة وكثافة سكانية منخفضة مثل ما هو الحال بأقاليم السمارة وبوجدور وكلميم وجهة الداخلة واد الذهب⸱ إذا قارنا مثلا جهات الجنوب بجهات الغرب والشمال والشرق (البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش، فاس، أكادير، بني ملال، وجدة)، نلاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي (4⸱6 %) لكل جهات الجنوب (7⸱2 % تافيلالت، 4⸱1 % العيون، 3⸱1 % كلميم، 0⸱1 % الداخلة)، أقل من الناتج المحلي الإجمالي لجهة سوس-ماسة لوحدها (6⸱6 %) ويفوق بقليل جهة بني ملال-خنيفرة (8⸱5 %)، أو حتى جهة الشرق نوعا ما (9⸱4 %)⸱
تاسعا: أغنى جماعات قروية بالمغرب ومع ذلك تنقصها الخدمات والمرافق العمومية
إن رغم العدد الكبير للجماعات القروية بالمغرب (1282 ج⸱ ق⸱) فالجماعات الغنية ذات الطابع القروي، أي التي لا تملك غابة، لا تتعدى أربع جماعات: الشراط، أمغار، تسلطانت، أولاد صالح⸱ تعتبر جماعة الشراط بإقليم بن سليمان أغنى جماعة قروية، فهي تتميز بنشاط عقاري جد مهم وسياحة ساحلية مرتفعة وفلاحة قوية وإقامات سكنية حديثة ومهرجان العنب السنوي المعروف وطنيا⸱ تليها جماعة مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، لاحتوائها على مصادر اقتصادية هامة مثل ميناء الجرف الأصفر ومجمع الفوسفاط واستثمارات صناعية كبرى ومحطة إنتاج الطاقة الكهربائية وموسم الفروسية (التبوردة) والصيد بالصقور مما يدر على الجماعة مداخيل ضريبية مرتفعة، لكن للأسف ما تزال الساكنة تعاني من التهميش والتلوث وضعف التنمية⸱ وتتوفر جماعة تسلطانت بنواحي مراكش، وهي جماعة قروية وباشوية، على الأصول العقارية والمشاريع السياحية والإقامات الراقية وما تجنيه من مداخيل ضريبية من هذه الثروة، لكن رغم كل هذه الموارد فالساكنة تعاني من الفقر والتهميش والنقص الشديد في الخدمات والمرافق الضرورية⸱ تضم جماعة أولاد صالح القروية بإقليم النواصر مناطق صناعية ولوجستيكية حيوية ومختلف الأنشطة التجارية والعقارية مما يعزز جاذبيتها الاستثمارية لقربها من الدار البيضاء ومطار محمد الخامس والطريق السيار⸱ تعتبر الجماعة من خلال السعي لتطوير بنيتها التحتية بما فيها المساحات الخضراء وتجويد معيشة الساكنة نموذجا ناجحا في التنمية وحسن التدبير⸱ إلا أن إشكالية الأراضي السلالية واستبعاد الساكنة والأسر المعنية من عمليات تفويت أراضيهم لفائدة منشآت صناعية ولوجستيكية بالجماعة دون تعويضات عادلة للأسر السلالية وعدم الموازنة بين هذه الاستثمارات رغم إيجابياتها واحترام الحقوق التاريخية للساكنة المعنية يعد حيفا صارخا اتجاه هذا الكيان السوسيو-جغرافي⸱
عاشرا: أغنى المدن والجهات بالمغرب وفي المقابل أضعف المدن والجهات
تتصدر مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية والديمغرافية، قائمة أغنى البلديات والمدن في المغرب، حيث تستحوذ على أكبر جزء من الناتج المحلي الإجمالي⸱ تستولي جهة البيضاء-سطات لوحدها على 0⸱32 % من الناتج الداخلي الإجمالي، وثروة تقدر ب 43 مليار دولار، أي أكثر من 398 مليار درهم، وتضم أنشطة اقتصادية ومالية هائلة ومقرات أكبر الشركات والأبناك الوطنية والدولية، مما يدر على هذه المنطقة بصفة عامة موارد مالية وجبائية ضخمة⸱
تأتي في المرتبة الثانية جهة الرباط-سلا-القنيطرة من خلال الناتج المحلي الإجمالي (3⸱16 %) وطابعها الإداري والسياسي والاقتصادي والصناعي الوطني والدولي وموقعها الاستراتيجي المتميز بانفتاحه على جهات المغرب شمالا وشرقا وجنوبا وعلى واجهة ساحلية يبلغ طولها 180 كلم وجاذبية سياحية لمختلف شواطئها المغرية⸱ تشكل كل هذه الثروة الاقتصادية مصادر تمويل مالي وضريبي هائل للجهة⸱ وتحتل هذه المدن والجهات الثلاث: طنجة-تطوان-الحسيمة، وفاس-مكناس، ومراكش-أسفي، المرتبة الثالثة بدرجات جد متقاربة، ما بين 4⸱9 % و9 %⸱ وتعود قوة هذه الجهات إلى كثافة الأنشطة الاقتصادية والصناعية والمالية والسياحية التي تتمتع بها وما تدره عليها من موارد مالية وجبائية ذاتية هامة⸱
نلاحظ كذلك أن بعض المناطق مثل إقليم النواصر مثلا، بجهة الدار البيضاء، وخاصة بلديات النواصر وبوسكورة ودار بوعزة تتميز هذه البلديات بكونها القطب الرئيسي في المغرب لصناعة الطيران واستقطاب مشاريع دولية واستثمارات تجارية وعقارية كبرى مما يوفر على هذه الجماعات موارد اقتصادية ومداخيل ضريبية مرتفعة⸱
إحدى عشر: علاقة المركز بالمحيط وإشكالية الاستقلالية والتدبير
إن تبعية الجماعات الترابية بالمغرب بصفة قوية للتمويل المركزي، ناهيك عن الرقابة الإدارية المستمرة، يطرح بكل حدة إشكالية حقيقة اللامركزية الترابية بالمغرب من خلال القياس الكمي لأسس ومرتكزات اللامركزية، بحيث إن أكثر من 80 % من موارد الجماعات الترابية تأتيهم من المركز في شكل دعم وإعانات وإمدادات من الدولة المركزية، مما يجعلنا نخلص إلى أو نستنتج هذه القاعدة: إن هامش إدارة وتدبير الشأن العام المحلي من طرف الجماعات الترابية لا يتعدى 20 % من مجموع ما يمكن الاستفادة منه والتصرف فيه⸱
المراجع: لقد ارتكزنا في الدراسة والتحليل والتوثيق لهذا الإنتاج العلمي المتواضع على المراجع التالية:
J. Chabih, Les aspects financiers de la décentralisation territoriale au Maroc, thèse de doctorat, paris 2, 1993, et sa publication dans la collection de l’Université Cadi Ayyad, FSJES, Marrakech, 1997 ;
J. Chabih, Les finances des collectivités locales au Maroc : Essai d’une approche globale des finances locales, L’Harmattan, 2005 ;
الجيلالي شبيه، مداخلة في ندوة وطنية “الجباية والتراب: مقاربة متقاطعة”، ابن زهر القطب الجامعي أيت ملول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أيام 8-9-10 أبريل بعنوان “الجغرافيا الضريبية بالمغرب
المندوبية السامية للتخطيط، الحسابات الجهوية لسنة 2014،
L e Haut Commissariat au Plan, Les comptes régionaux Produit intérieur brut et dépenses de consommation finale des ménages, 2021, consultable sur le Web
Par ailleurs, nous nous sommes aussi basés pour l’étude, l’analyse et la rédaction de ce travail sur de nombreuses données scientifiques consultables sur le Web.
* دكتور ومؤهل للبحث والتأطير والتدريس بجامعة باريس، ودكتور الدولة بجامعة القاضي عياض، في العلوم القانونية والمالية والضريبية والإدارية والمنهجية، ومحامي بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير، كلميم والعيون·





